فهرس الكتاب

الصفحة 3426 من 6606

الحق ثم إنها بالغت في تأكيد الحق بهذا القول وقالت وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِى كَيْدَ الْخَائِنِينَ يعني أني لما أقدمت على الكيد والمكر لا جرم افتضحت وأنه لما كان بريئًا عن الذنب لا جرم طهره الله تعالى عنه قال صاحب هذا القول والذي يدل على صحته أن يوسف عليه السلام ما كان حاضرًا في ذلك المجلس حتى يقال لما ذكرت المرأة قولها قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ ففي تلك الحالة يقول يوسف ذالِكَ لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ بل يحتاج فيه إلى أن يرجع الرسول من ذلك المجلس إلى السجن ويذكر له تلك الحكاية ثم إن يوسف يقول ابتداء ذالِكَ لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ومثل هذا الوصل بين الكلامين الأجنبيين ما جاء ألبتة في نثر ولا نظم فعلمنا أن هذا من تمام كلام المرأة

المسألة الرابعة هذه الآية دالة على طهارة يوسف عليه السلام من الذنب من وجوه كثيرة الأول أن الملك لما أرسل إلى يوسف عليه السلام وطلبه فلو كان يوسف متهمًا بفعل قبيح وقد كان صدر منه ذنب وفحش لاستحال بحسب العرف والعادة أن يطلب من الملك أن يتفحص عن تلك الواقعة لأنه لو كان قد أقدم على الذنب ثم إنه يطلبه من الملك أن يتفحص عن تلك الواقعة كان ذلك سعيًا منه في فضيحة نفسه وفي تجديد العيوب التي صارت مندرسة مخفية والعاقل لا يفعل ذلك وهب أنه وقع الشك لبعضهم في عصمته أو في نبوته إلا أنه لا شك أنه كان عاقلًا والعاقل يمتنع أن يسعى في فضيحة نفسه وفي حمل الأعداء على أن يبالغوا في إظهار عيوبه والثاني أن النسوة شهدن في المرة الأولى بطهارته ونزاهته حيث قلن حَاشَ للَّهِ مَا هَاذَا بَشَرًا إِنْ هَاذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ ( يوسف 31 ) وفي المرة الثانية حيث قلن حَاشَ للَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوء والثالث أن امرأة العزيز أقرت في المرة الأولى بطهارته حيث قالت وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ ( يوسف 32 ) وفي المرة الثانية في هذه الآية

واعلم أن هذه الآية دالة على طهارته من وجوه أولها قول المرأة أَنَاْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ وثانيها قولها وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ وهو إشارة إلى أنه صادق في قوله هِى َ رَاوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى ( يوسف 26 ) وثالثها قول يوسف عليه السلام ذالِكَ لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ والحشوية يذكرون أنه لما قال يوسف هذا الكلام قال جبريل عليه السلام ولا حين هممت وهذا من رواياتهم الخبيثة وما صحت هذه الرواية في كتاب معتمد بل هم يلحقونها بهذا الموضع سعيًا منهم في تحريف ظاهر القرآن ورابعها قوله وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِى كَيْدَ الْخَائِنِينَ يعني أن صاحب الخيانة لا بد وأن يفتضح فلو كنت خائنًا لوجب أن افتضح وحيث لم افتضح وخلصني الله تعالى من هذه الورطة فكل ذلك يدل على أني ما كنت من الخائنين وههنا وجه آخر وهو أقوى من الكل وهو أن في هذا الوقت تلك الواقعة صارت مندرسة وتلك المحنة صارت منتهية فإقدامه على قوله ذالِكَ لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ مع أنه خانه بأعظم وجوه الخيانة إقدام على وقاحة عظيمة وعلى كذب عظيم من غير أن يتعلق به مصلحة بوجه ما والإقدام على مثل هذه الوقاحة من غير فائدة أصلًا لا يليق بأحد من العقلاء فكيف يليق إسناده إلى سيد العقلاء وقدوة الأصفياء فثبت أن هذه الآية تدل دلالة قاطعة على براءته مما يقوله الجهال والحشوية

وَمَآ أُبَرِّى ءُ نَفْسِى إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَة ٌ بِالسُّو ءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّى إِنَّ رَبِّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت