فهرس الكتاب
تنبيهًا على أن حسن هذه القصة إنما كان بسبب أنه يحصل منها العبرة ومعرفة الحكمة والقدرة والمراد من قصصهم قصة يوسف عليه السلام وإخوته وأبيه ومن الناس من قال المراد قصص الرسل لأنه تقدم في القرآن ذكر قصص سائر الرسل إلا أن الأولى أن يكون المراد قصة يوسف عليه السلام
فإن قيل لم قال عِبْرَة ٌ لاّوْلِى الالْبَابِ مع أن قوم محمد ( صلى الله عليه وسلم ) كانوا ذوي عقول وأحلام وقد كان الكثير منهم لم يعتبر بذلك
قلنا إن جميعهم كانوا متمكنين من الاعتبار والمراد من وصف هذه القصة بكونها عبرة كونها بحيث يمكن أن يعتبر بها العاقل أو نقول المراد من أولي الألباب الذين اعتبروا وتفكروا وتأملوا فيها وانتفعوا بمعرفتها لأن أُوْلِى الالْبَابِ لفظ يدل على المدح والثناء فلا يليق إلا بما ذكرناه واعلم أنه تعالى وصف هذه القصة بصفات
الصفة الأولى كونها عِبْرَة ٌ لاّوْلِى الالْبَابِ وقد سبق تقريره
الصفة الثانية قوله مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وفيه قولان الأول أن المراد الذي جاء به وهو محمد ( صلى الله عليه وسلم ) لا يصح منه أن يفتري لأنه لم يقرأ الكتب ولم يتلمذ لأحد ولم يخالط العلماء فمن المحال أن يفتري هذه القصة بحيث تكون مطابقة لما ورد في التوراة من غير تفاوت والثاني أن المراد أنه ليس يكذب في نفسه لأنه لا يصح الكذب منه ثم إنه تعالى أكد كونه غير مفترى فقال وَلَاكِن تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وهو إشارة إلى أن هذه القصة وردت على الوجه الموافق لما في التوراة وسائر الكتب الإلهية ونصب تصديقًا على تقدير ولكن كان تصديق الذي بين يديه كقوله تعالى مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مّن رّجَالِكُمْ وَلَاكِن رَّسُولَ اللَّهِ ( الأحزاب 40 ) قاله الفراء والزجاج ثم قال ويجوز رفعه في قياس النحو على معنى ولكن هو تصديق الذي بين يديه
والصفة الثالثة قوله وَتَفْصِيلَ كُلّ شَى ْء وفيه قولان الأول المراد وتفصيل كل شيء من واقعة يوسف عليه السلام مع أبيه وإخوته والثاني أنه عائد إلى القرآن كقوله مَّا فَرَّطْنَا فِى الكِتَابِ مِن شَى ْء ( الأنعام 38 ) فإن جعل هذا الوصف وصفًا لكل القرآن أليق من جعله وصفًا لقصة يوسف وحدها ويكون المراد ما يتضمن من الحلال والحرام وسائر ما يتصل بالدين قال الواحدي على التفسيرين جميعًا فهو من العام الذي أريد به الخاص كقوله وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَى ْء ( الأعراف 156 ) يريد كل شيء يجوز أن يدخل فيها وقوله وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَى ْء ( النمل 23 )
الصفة الرابعة والخامسة كونها هدى في الدنيا وسببًا لحصول الرحمة في القيامة لقوم يؤمنون خصهم بالذكر لأنهم هم الذين انتفعوا به كما قررناه في قوله هُدًى لّلْمُتَّقِينَ ( البقرة 2 ) والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب قال المصنف رحمه الله تعالى تم تفسير هذه السورة بحمد الله تعالى يوم الأربعاء السابع من شعبان ختم بالخير والرضوان سنة إحدى وستمائة وقد كنت ضيق الصدر جدًا بسبب وفاة الولد الصالح محمد تغمده الله بالرحمة والغفران وخصه بدرجات الفضل والإحسان وذكرت هذه الأبيات في مرثيته على