فهرس الكتاب
وثانيها مسألة العلم على ما سبق تقريرها في قوله تعالى خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وما رأينا لكم في دفع هذين الكلامين كلامًا محيلًا قويًا ونحن لا شك نعلم أنه لا يخفى عليكم مع ما معكم من الذكاء الضعف عن تلك الأجوبة التي تكلموا بها فكما أنصفنا واعترافنا لكم بحسن الكلام الذي ذكرتموه فأنصفوا أيضًا واعترفوا بأنه لا وجه لكم عن هذين الوجهين فإن التعامي والتغافل لا يليق بالعقلاء وثالثها أن فعل العبد لو كان بإيجاده لما حصل إلا الذي قصد إيجاده لكن أحدًا لا يريد إلا تحصيل العلم والاهتداء ويحترز كل الاحتراز عن الجهل والضلال فكيف يحصل الجهل والإضلال للعبد مع أنه ما قصد إلا تحصيل العلم والاهتداء فإن قيل إنه اشتبه عليه الكفر بالإيمان والعلم بالجهل فظن في الجهل أنه علم فقصد إيقاعه فلذلك حصل له الجهل قلنا ظنه في الجهل أنه علم ظن خطأ فإن كان اختاره أولًا فقد اختار الجهل والخطأ لنفسه وذلك غير ممكن وإن قلنا إنه اشتبه عليه ذلك بسبب ظن آخر متقدم عليه لزم أن يكون قبل كل ظن ظن لا إلى نهاية وهو محال ورابعها أن التصورات غير كسبية والتصديقات البديهية غير كسبية والتصديقات بأسرها غير كسبية فهذه مقدمات ثلاثة
المقدمة الأولى في بيان أن التصورات غير كسبية وذلك لأن من يحاول اكتسابها فإما أن يكون متصورًا لها أو لا يكون متصورًا لها فإن كان متصورًا لها استحال أن يطلب تحصيل تصورها لأن تحصيل الحاصل محال وإن لم يكن متصورًا لها كان ذهنه غافلًا عنها والغافل عن الشيء يستحيل أن يكون طالبه
المقدمة الثانية في بيان أن التصديقات البديهية غير كسبية لأن حصول طرفي التصديق إما أن يكون كافيًا في جزم الذهن بذلك التصديق أولًا يكون كافيًا فإن كان الأول كان ذلك التصديق دائرًا مع ذينك التصورين على سبيل الوجوب نفيًا وإثباتًا وما كان كذلك لم يكن مقدورًا وإن كان الثاني لم يكن التصديق بديهيًا بل متوقفًا فيه
المقدمة الثالثة في بيان أن التصديقات بأسرها غير كسبية وذلك لأن هذه النظريات إن كانت واجبة اللزوم عن تلك البديهيات التي هي غير مقدورة كانت تلك النظريات أيضًا غير مقدورة وإن لم تكن واجبة اللزوم عن تلك البديهيات لم يمكن الاستدلال بتلك البديهيات على تلك النظريات فلم تكن تلك الاعتقادات الحاصلة في تلك النظريات علومًا بل لا تكون إلا اعتقادًا حاصلًا للمقلد وليس كلامنا فيه فثبت أن كلامكم في عدم إسناد الاهتداء والضلال إلى الله تعالى معارض بهذه الوجوه العقلية القاطعة التي لا جواب عنها ولنتكلم الآن فيما ذكروه من التأويلات أما التأويل الأول فساقط لأن إنزال هذه المتشابهات هل لها أثر في تحريك الدواعي أو ليس لها أثر في ذلك فإن كان الأول وجب على قولكم أن يقبح لوجهين الأول أنا قد دللنا في تفسير قوله خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ على أنه متى حصل الرجحان فلا بدّ وأن يحصل الوجوب وأنه ليس بين الاستواء وبين الوجوب المانع من النقيض واسطة فإذا أثر إنزال هذه المتشابهات في الترجيح وثبت أنه متى حصل الترجيح فقد حصل الوجوب فحينئذٍ جاء الجبر وبطل ما قلتموه الثاني هب أنه لا ينتهي إلى حد الوجوب إلا أن المكلف ينبغي أن يكون مزاح العذر والعلة وإنزال هذه المتشابهات عليه مع أن