فهرس الكتاب

الصفحة 3507 من 6606

الصحف وزنها ليعرف رجحان إحدى الكفتين على الأخرى فإنه إذا رجحت كفة الطاعات ظهر للخلائق أنه من أهل الجنة وإن كان بالضد فبالضد قال القاضي هذا بعيد لأن الأدلة قد دلت على أن كل واحد قبل مماته عند المعاينة يعلم أنه من السعداء أو من الأشقياء فلا يتوقف حصول تلك المعرفة على الميزان ثم أجاب القاضي عن هذا الكلام وقال لا يمتنع أيضًا ما روينا لأمر يرجع إلى حصول سروره عند الخلق العظيم أنه من أولياء الله في الجنة وبالضد من ذلك في أعداء الله

والمقام الثاني وهو قول حكماء الإسلام أن الكتابة عبارة عن نقوش مخصوصة وضعت بالاصطلاح لتعريف المعاني المخصوصة فلو قدرنا كون تلك النقوش دالة على تلك المعاني لأعيانها وذواتها كانت تلك الكتبة أقوى وأكمل

إذا ثبت هذا فنقول إن الإنسان إذا أتى بعمل من الأعمال مرات وكرات كثيرة متوالية حصل في نفسه بسبب تكررها ملكة قوية راسخة فإن كانت تلك الملكة ملكة سارة بالأعمال النافعة في السعادات الروحانية عظم ابتهاجه بها بعد الموت وإن كانت تلك الملكة ملكة ضارة في الأحوال الروحانية عظم تضرره بها بعد الموت

إذا ثبت هذا فنقول إن التكرير الكثير لما كان سببًا لحصول تلك الملكة الراسخة كان لكل واحد من الأعمال المتكررة أثر في حصول تلك الملكة الراسخة وذلك الأثر وإن كان غير محسوس إلا أنه حاصل في الحقيقة وإذا عرفت هذا ظهر أنه لا يحصل للإنسان لمحة ولا حركة ولا سكون إلا ويحصل منه في جوهر نفسه أثر من آثار السعادة أو آثار الشقاوة قل أو كثر فهذا هو المراد من كتبة الأعمال عند هؤلاء والله أعلم بحقائق الأمور وهذا كله إذا فسرنا قوله تعالى لَهُ مُعَقّبَاتٌ مّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ بالملائكة

القول الثاني وهو أيضًا منقول عن ابن عباس رضي الله عنهما واختاره أبو مسلم الأصفهاني المراد أنه يستوي في علم الله تعالى السر والجهر والمستخفي بظلمة الليل والسارب بالنهار المستظهر بالمعاونين والأنصار وهم الملوك والأمراء فمن لجأ إلى الليل فلن يفوت الله أمره ومن سار نهارًا بالمعقبات وهم الأحراس والأعوان الذين يحفظونه لم ينجه أحراسه من الله تعالى والمعقب العون لأنه إذا أبصر هذا ذاك فلا بد أن يبصر ذاك هذا فتصير بصيرة كل واحد منهم معاقبة لبصيرة الآخرة فهذه المعقبات لا تخلص من قضاء الله ومن قدره وهم إن ظنوا أنهم يخلصون مخدومهم من أمر الله ومن قضائه فإنهم لا يقدرون على ذلك ألبتة والمقصود من هذا الكلام بعث السلاطين والأمراء والكبراء على أن يطلبوا الخلاص من المكاره عن حفظ الله وعصمته ولا يعولوا في دفعها على الأعوان والأنصار ولذلك قال تعالى بعده وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مّن دُونِهِ مِن وَالٍ

أما قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ فكلام جميع المفسرين يدل على أن المراد لا يغير ما هم فيه من النعم بإنزال الانتقام إلا بأن يكون منهم المعاصي والفساد قال القاضي والظاهر لا يحتمل إلا هذا المعنى لأنه لا شيء مما يفعله تعالى سوى العقاب لا وقد يبتدىء به في الدنيا من دون تغيير يصدر من العبد فيما تقدم لأنه تعالى ابتدأ بالنعم دينا ودنيًا ويفضل في ذلك من شاء على من يشاء فالمراد مما ذكره الله تعالى التغيير بالهلاك والعقاب ثم اختلفوا فبعضهم قال هذا الكلام راجع إلى قوله

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت