فهرس الكتاب

الصفحة 3550 من 6606

في أصل الوضع مشتق إلا أنه بالعرف صار جاريًا مجرى الإسم العلم فحيث يبدأ بذكره ويعطف عليه سائر الصفات فذلك لأجل أنه جعل اسم علم وأما في هذه الآية حيث جعل وصفًا للعزيز الحميد فذاك لأجل أنه حمل على كونه لفظًا مشتقًا فلا جرم بقي صفة الخامس أن الكفار ربما وصفوا الوثن بكونه عزيزًا حميدًا فلما قال لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ بقي في خاطر عبدة الأوثان أنه ربما كان ذلك العزيز الحميد هو الوثن فأزال الله تعالى هذه الشبهة وقال اللَّهِ الَّذِى لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاْرْضِ أي المراد من ذلك العزيز الحميد هو الله الذي له ما في السموات وما في الأرض

المسألة الثانية قوله اللَّهِ الَّذِى لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاْرْضِ يدل على أنه تعالى غير مختص بجهة العلو ألبتة وذلك لأن كل ما سماك وعلاك فهو سماء فلو حصل ذات الله تعالى في جهة فوق لكان حاصلًا في السماء وهذه الآية دالة على أن كل ما في السموات فهو ملكه فلزم كونه ملكًا لنفسه وهو محال فدلت هذه الآية على أنه منزه عن الحصول في جهة فوق

المسألة الثالثة احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى خالق لأعمال العباد لأنه قال لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاْرْضِ وأعمال العباد حاصلة في السموات والأرض فوجب القول بأن أفعال العباد له بمعنى كونها مملوكة له والملك عبارة عن القدرة فوجب كونها مقدورة لله تعالى وإذا ثبت أنها مقدورة لله تعالى وجب وقوعها بقدرة الله تعالى وإلا لكان العبد قد منع الله تعالى من إيقاع مقدوره وذلك محال

واعلم أن قوله تعالى لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاْرْضِ يفيد الحصر والمعنى أن ما في السموات وما في الأرض له لا لغيره وذلك يدل على أنه لا مالك إلا الله ولا حاكم إلا الله ثم إنه تعالى لما ذكر ذلك عطف على الكفار بالوعيد فقال وَوَيْلٌ لّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ والمعنى أنهم لما تركوا عبادة الله تعالى الذي هو المالك للسموات والأرض ولكل ما فيهما إلى عبادة ما لا يملك ضرًا ولا نفعًا ويخلق ولا يخلق ولا إدراك لها ولا فعل فالويل ثم الويل لمن كان كذلك وإنما خص هؤلاء بالويل لأن المعنى يولولون من عذاب شديد ويصيحون منه ويقولون يا ويلاه ونظيره قوله تعالى دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُورًا ( الفرقان 13 ) ثم بين تعالى صفة هؤلاء الكافرين الذين توعدهم بالويل الذي يفيد أعظم العذاب وذكر من صفاتهم ثلاثة أنواع الأول قوله الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَواة َ الدُّنْيَا عَلَى الاْخِرَة ِ وفيه مسائل

المسألة الأولى إن شئت جعلت ( الذين ) صفة الكافرين في الآية المتقدمة وإن شئت جعلته مبتدأ وجعلت الخبر قوله أُوْلَائِكَ وإن شئت نصبته على الذم

المسألة الثانية الاستحباب طلب محبة الشيء وأقول إن الإنسان قد يحب الشيء ولكنه لا يحب كونه محبًا لذلك الشيء مثل من يميل طبعه إلى الفسق والفجور ولكنه يكره كونه محبًا لهما أما إذا أحب الشيء وطلب كونه محبًا له وأحب تلك المحبة فهذا هو نهاية المحبة فقوله الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَواة َ الدُّنْيَا يدل على كونهم في نهاية المحبة للحياة الدنيوية ولا يكون الإنسان كذلك إلا إذا كان غافلًا عن الحياة الأخروية وعن معايب هذه الحياة العاجلة ومن كان كذلك كان في نهاية الصفات المذمومة وذلك لأن هذه الحياة موصوفة بأنواع كثيرة من العيوب فأحدها أن بسبب هذه الحياة انفتحت أبواب الآلام والأسقام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت