فهرس الكتاب

الصفحة 3558 من 6606

وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَمَن فِى الأرض جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِى ٌّ حَمِيدٌ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِى أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ

اعلم أن موسى عليه السلام لما بين أن الاشتغال بالشكر يوجب تزايد الخيرات في الدنيا وفي الآخرة والاشتغال بكفران النعم يوجب العذاب الشديد وحصول الآفات في الدنيا والآخرة بين بعده أن منافع الشكر ومضار الكفران لا تعود إلا إلى صاحب الشكر وصاحب الكفران أما المعبود والمشكور فإنه متعال عن أن ينتفع بالشكر أو يستضر بالكفران فلا جرم قال تعالى وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِى الاْرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِى ٌّ حَمِيدٌ والغرض منه بيان أنه تعالى إنما أمر بهذه الطاعات لمنافع عائدة إلى العابد لا لمنافع عائدة إلى المعبود والذي يدل على أن الأمر كذلك ما ذكره الله في قوله إِنَّ اللَّهَ لَغَنِى ٌّ وتفسيره أنه واجب الوجود لذاته واجب الوجود بحسب جميع صفاته واعتباراته فإنه لو لم يكن واجب الوجود لذاته لافتقر رجحان وجوده على عدمه إلى مرجح فلم يكن غنيًا وقد فرضناه غنيًا هذا خلف فثبت أن كونه غنيًا يوجب كونه واجب الوجود في ذاته وإذا ثبت أنه واجب الوجود لذاته كان أيضًا واجب الوجود بحسب جميع كمالاته إذ لو لم تكن ذاته كافية في حصول ذلك الكمال لافتقر في حصول ذلك الكمال إلى سبب منفصل فحينئذ لا يكون غنيًا وقد فرضناه غنيًا هذا خلف فثبت أن ذاته كافية في حصول جميع كمالاته وإذا كان الأمر كذلك كان حميدًا لذاته لأنه لا معنى للحميد إلا الذي استحق الحمد فثبت بهذا التقرير الذي ذكرناه أن كونه غنيًا حميدًا يقتضي أن لا يزداد بشكر الشاكرين ولا ينتقص بكفران الكافرين فلهذا المعنى قال إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِى الاْرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِى ٌّ حَمِيدٌ وهذه المعاني من لطائف الأسرار

واعلم أن قولنا إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِى الاْرْضِ جَمِيعًا سواء حمل على الكفر الذي يقابل الإيمان أو على الكفران الذي يقابل الشكر فالمعنى لا يتفاوت ألبتة فإنه تعالى غني عن العالمين في كمالاته وفي جميع نعوت كبريائه وجلاله

ثم إنه تعالى قال أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وذكر أبو مسلم الأصفهاني أنه يحتمل أن يكون ذلك خطابًا من موسى عليه السلام لقومه والمقصود منه أنه عليه السلام كان يخوفهم بمثل هلاك من تقدم ويجوز أن يكون مخاطبة من الله تعالى على لسان موسى لقومه يذكرهم أمر القرون الأولى والمقصود إنما هو حصول العبرة بأحوال المتقدمين وهذا المقصود حاصل على التقديرين إلا أن الأكثرين ذهبوا إلى أنه اتبداء مخاطبة لقوم الرسول ( صلى الله عليه وسلم )

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت