فهرس الكتاب

الصفحة 3562 من 6606

الصانع المختار فلأن الصبي العاقل إذا وقعت اللطمة على وجهه يصيح ويقول من الذي ضربني وما ذاك إلا أن شهادة فطرته تدل على أن اللطمة لما حدثت بعد عدمها وجب أن يكون حدوثها لأجل فاعل فعلها ولأجل مختار أدخلها في الوجود فلما شهدت الفطرة الأصلية بافتقار ذلك الحادث مع قلته وحقارته إلى الفاعل فبأن تشهد بافتقار جميع حوادث العالم إلى الفاعل كان أولى وأما دلالتها على وجوب التكليف فلأن ذلك الصبي ينادي ويصيح ويقول لم ضربني ذلك الضارب وهذا يدل على أن فطرته شهدت بأن الأفعال الإنسانية داخلة تحت الأمر والنهي ومندرجة تحت التكليف وأن الإنسان ما خلق حتى يفعل أي فعل شاء واشتهى وأما دلالتها على وجوب حصول دار الجزاء فهو أن ذلك الصبي يطلب الجزاء على تلك اللطمة وما دام يمكنه طلب ذلك الجزاء فإنه لا يتركه فلما شهدت الفطرة الأصلية بوجوب الجزاء على ذلك العمل القليل فبأن تشهد على وجوب الجزاء على جميع الأعمال كان أولى وأما دلالتها على وجوب النبوة فلأنهم يحتاجون إلى إنسان يبين لهم أن العقوبة الواجبة على ذلك القدر من الجناية كم هي ولا معنى للنبي إلا الإنسان الذي يقدر هذه الأمور ويبين لهم هذه الأحكام فثبت أن فطرة العقل حاكمة بأن الإنسان لا بد له من هذه الأمور الأربعة

الوجه الثاني في التنبيه على أن الإقرار بوجود الصانع بديهي هو أن الفطرة شاهد بأن حدوث دار منقوشة بالنقوش العجيبة مبنية على التركيبات اللطيفة الموافقة للحكم والمصلحة يستحيل إلا عند وجود نقاش عالم وبان حكيم ومعلوم أن آثار الحكمة في العالم العلوي والسفلي أكثر من آثار الحكمة في تلك الدار المختصرة فلما شهدت الفطرة الأصلية بافتقار النقش إلى النقاش والبناء إلى الباني فبأن تشهد بافتقار كل هذا العالم إلى الفاعل المختار الحكيم كان أولى

الوجه الثالث أن الإنسان إذا وقع في محنة شديدة وبلية قوية لا يبقى في ظنه رجاء المعاونة من أحد فكأنه بأصل خلفته ومقضتى جبلته يتضرع إلى من يخلصه منها ويخرجه عن علائقها وحبائلها وما ذاك إلا شهادة الفطرة بالإفتقار إلى الصانع المدبر

الوجه الرابع أن الموجود إما أن يكون غنيًا عن المؤثر أو لا يكون فإن كان غنيًا عن المؤثر فهو الموجود الواجب لذاته فإنه لا معنى للواجب لذاته إلا الموجود الذي لا حاجة به إلى غيره وإن لم يكن غنيًا عن المؤثر فهو محتاج والمحتاج لا بد له من المحتاج إليه وذلك هو الصانع المختار

الوجه الخامس أن الاعتراف بوجود الإله المختار المكلف وبوجود المعاد أحوط فوجب المصير إليه فهذه مراتب أربعة أولها أن الإقرار بوجود الإله أحوط لأنه لو لم يكن موجودًا فلا ضرر في الإقرار بوجوده وإن كان موجودًا ففي إنكاره أعظم المضار وثانيها الإقرار بكونه فاعلًا مختارًا لأنه لو كان موجبًا فلا ضرر في الإقرار بكونه مختارًا أما لو كان مختارًا ففي إنكار كونه مختارًا أعظم المضار وثالثها الإقرار بأنه كلف عباده لأنه لو لم يكلف أحدًا من عبيده شيئًا فلا ضرر في اعتقاد أنه كلف العباد أما إنه لو كلف ففي إنكار تلك التكاليف أعظم المضار ورابعها الإقرار بوجود المعاد فإنه إن كان الحق أنه لا معاد فلا ضرر في الإقرار بوجوده لأنه لا يفوت إلا هذه اللذات الجسمانية وهي حقيرة ومنقوصة وإن كان الحق هو وجوب المعاد ففي إنكاره أعظم المضار فظهر أن الإقرار بهذه المقامات أحوط فوجب المصير إليه لأن بديهة العقل حاكمة بأنه يجب دفع الضرر عن النفس بقدر الإمكان

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت