فهرس الكتاب

الصفحة 3578 من 6606

وإن حصل الشعور بكونه منافرًا له ترتب عليه الميل الجازم إلى الترك وإن لم يحصل لا هذا ولا ذاك لم يحصل الميل لا إلى ذلك الشيء ولا إلى ضده بل بقي الإنسان كما كان وعند حصول ذلك الميل الجازم تصير القدرة مع ذلك الميل موجبة للفعل

إذا عرفت هذا فنقول صدور الفعل عن مجموع القدرة والداعي الحاصل أمر واجب فلا يكون للشيطان مدخل فيه وصدور الميل عن تصور كونه خيرًا أو تصور كونه شرًا أمر واجب فلا يكون للشيطان فيه مدخل وحصول كونه خيرًا أو تصورًا كونه شرًا عن مطلق الشعور بذاته أمر لازم فلا مدخل للشيطان فيه فلم يبق للشيطان مدخل في شيء من هذه المقامات إلا في أن يذكره شيئًا بأن يلقي إليه حديثه مثل أن الإنسان كان غافلًا عن صورة امرأة فيلقي الشيطان حديثها في خاطره فالشيطان لا قدرة له إلا في هذا المقام وهو عين ما حكى الله تعالى عنه أنه قال وَمَا كَانَ لِى َ عَلَيْكُمْ مّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِى فَلاَ تَلُومُونِى يعني ما كان مني إلا مجرد هذه الدعوة فأما بقية المراتب فما صدرت مني وما كان لي فيها أثر ألبتة بقي في هذا المقام سؤالان

السؤال الأول كيف يعقل تمكن الشيطان من النفوذ في داخل أعضاء الإنسان وإلقاء الوسوسة إليه

والجواب للناس في الملائكة والشياطين قولان

القول الأول أن ما سوى الله بحسب القسمة العقلية على أقسام ثلاثة المتحيز والحال في المتحيز والذي لا يكون متحيزًا ولا حالًا فيه وهذا القسم الثالث لم يقم الدليل ألبتة على فساد القول به بل الدلائل الكثيرة قامت على صحة القول به وهذا هو المسمى بالأرواح فهذه الأرواح إن كانت طاهرة مقدسة من عالم الروحانيات القدسية فهم الملائكة وإن كانت خبيثة داعية إلى الشرور وعالم الأجساد ومنازل الظلمات فهم الشياطين

إذا عرفت هذا فنقول فعلى هذا التقدير الشيطان لا يكون جسمًا يحتاج إلى الولوج في داخل البدن بل هو جوهر روحاني خبيث الفعل مجبول على الشر والنفس الإنسانية أيضًا كذلك فلا يبعد على هذا التقدير في أن يلقى شيء من تلك الأرواح أنواعًا من الوساوس والأباطيل إلى جوهر النفس الإنسانية وذكر بعض العلماء في هذا الباب احتمالًا ثانيًا وهو أن النفوس الناطقة البشرية مختلفة بالنوع فهي طوائف وكل طائفة منها في تدبير روح من الأرواح السماوية بعينها فنوع من النفوس البشرية تكون حسنة الأخلاق كريمة الأفعال موصوفة بالفرح والبشر وسهولة الأمر وهي تكون منتسبة إلى روح معين من الأرواح السماوية وطائفة أخرى منها تكون موصوفة بالحدة والقوة والغلظة وعدم المبالاة بأمر من الأمور وهي تكون منتسبة إلى روح آخر من الأرواح السماوية وهذه الأرواح البشرية كالأولاد لذلك الروح السماوي وكالنتائج الحاصلة وكالفروع المتفرعة عليها وذلك الروح السماوي هو الذي يتولى إرشادها إلى مصالحها وهو الذي يخصها بالإلهامات حالتي النوم واليقظة والقدماء كانوا يسمون ذلك الروح السماوي بالطباع التام ولا شك أن لذلك الروح السماوي الذي هو الأصل والينبوع شعبًا كثيرة ونتائج كثيرة وهي بأسرها تكون من جنس روح هذا الإنسان وهي لأجل مشاكلتها ومجانستها يعين بعضها بعضًا على الأعمال اللائقة بها والأفعال المناسبة لطبائعها ثم إنها إن كانت خيرة طاهرة طيبة كانت ملائكة وكانت تلك الإعانة مسماة بالإلهام وإن كانت

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت