فهرس الكتاب

الصفحة 3641 من 6606

هؤلاء الطوائف والسبب فيه أن مراتب الكفر مختلفة بالغلظ والخفة فلا جرم صارت مراتب العذاب والعقاب مختلفة بالغلظ والخفة والله أعلم

إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ءَامِنِينَ وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ

اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال أهل العقاب أتبعه بصفة أهل الثواب وفي الآية مسائل

المسألة الأولى في قوله إِنَّ الْمُتَّقِينَ قولان

القول الأول قال الجبائي وجمهور المعتزلة القائلون بالوعيد المراد بالمتقين هم الذين اتقوا جميع المعاصي قالوا لأنه اسم مدح فلا يتناول إلا من يكون كذلك

والقول الثاني وهو قول جمهور الصحابة والتابعين وهو المنقول عن ابن عباس أن المراد الذين اتقوا الشرك بالله تعالى والكفر به وأقول هذا القول هو الحق الصحيح والذي يدل عليه هو أن المتقى هو الآتي بالتقوى مرة واحدة كما أن الضارب هو الآتي بالضرب مرة واحدة والقاتل هو الآتي بالقتل مرة واحدة فكما أنه ليس من شرط الوصف كونه ضاربًا وقاتلًا كونه آتيًا بجميع أنواع الضرب والقتل فكذلك ليس من شرط صدق الوصف بكونه متقيًا كونه آتيًا بجميع أنواع التقوى والذي يقوي هذا الكلام أن الآتي بفرد واحد من أفراد التقوى يكون آتيًا بالتقوى لأن كل فرد من أفراد الماهية فإنه يجب كونه مشتملًا على تلك الماهية فالآتي بالتقوى يجب أن يكون متقيًا فثبت أن الآتي بفرد واحد من أفراد التقوى يصدق عليه كونه متقيًا ولهذا التحقيق اتفق المفسرون على أن ظاهر الأمر لا يفيد التكرار

إذا ثبت هذا فنقول ظاهر قوله إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ يقتضي حصول الجنات والعيون لكل من اتقى عن شيء واحد إلا أن الأمة مجمعة على أن التقوى عن الكفر شرط في حصول هذا الحكم وأيضًا فإن هذه الآية وردت عقيب قول إبليس إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ( الحجر 40 ) وعقيب قول الله تعالى إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ( الحجر 42 ) فلأجل هذه الدلائل اعتبرنا الإيمان في هذا الحكم فوجب أن لا يزيد فيه قيد آخر لأن تخصيص العام لما كان بخلاف الظاهر فكلما كان التخصيص أقل كان أوفق لمقتضى الأصل والظاهر فثبت أن قوله إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ يتناول جميع القائلين بلا إله إلا الله محمد رسول الله قولًا واعتقادًا سواء كانوا من أهل الطاعة أو من أهل المعصية وهذا تقرير بين وكلام ظاهر

المسألة الثانية قوله تعالى فِى جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ أما الجنات فأربعة لقوله تعالى وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ ( الرحمن 46 ) ثم قال وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ( الرحمن 46 ) فيكون المجموع أربعة وقوله وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ يؤكد ما قلناه لأن من آمن بالله لا ينفك قلبه عن الخوف من الله تعالى وقوله وَلِمَنْ خَافَ يكفي في صدقه حصول هذا الخوف مرة واحدة وأما العيون فيحتمل أن يكون المراد منها ما ذكر الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت