فهرس الكتاب

الصفحة 3670 من 6606

وفيه مسائل

المسألة الأولى اعلم أن أشرف الأجسام الموجودة في العالم السفلي بعد الإنسان سائر الحيوانات لاختصاصها بالقوى الشريفة وهي الحواس الظاهرة والباطنة والشهوة والغضب ثم هذه الحيوانات قسمان منها ما ينتفع الإنسان بها ومنها ما لا يكون كذلك والقسم الأول أشرف من الثاني لأنه لما كان الإنسان أشرف الحيوانات وجب في كل حيوان يكون انتفاع الإنسان به أكمل وأكثر أن يكون أكمل وأشرف من غيره ثم نقول والحيوان الذي ينتفع الإنسان به إما أن ينتفع به في ضروريات معيشته مثل الأكل واللبس أو لا يكون كذلك وإنما ينتفع به في أمور غير ضرورية مثل الزينة وغيرها والقسم الأول أشرف من الثاني وهذا القسم هو الأنعام فلهذا السبب بدأ الله بذكره في هذه الآية فقال وَالاْنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ

واعلم أن الأنعام عبارة عن الأزواج الثمانية وهي الضأن والمعز والإبل والبقر وقد يقال أيضًا الأنعام ثلاثة الإبل والبقر والغنم قال صاحب ( الكشاف ) وأكثر ما يقع هذا اللفظ على الإبل وقوله وَالاْنْعَامُ منصوبة وانتصابها بمضمر يفسره الظاهر كقوله تعالى وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ ( يس 39 ) ويجوز أن يعطف على الإنسان أي خلق الإنسان والأنعام قال الواحدي تم الكلام عند قوله وَالاْنْعَامَ خَلَقَهَا ثم ابتدأ وقال لَكُمْ فِيهَا دِفْء ويجوز أيضًا أن يكون تمام الكلام عند قوله لَكُمْ ثم ابتدأ وقال فِيهَا دِفْء قال صاحب ( النظم ) أحسن الوجهين أن يكون الوقف عند قوله خَلَقَهَا والدليل عليه أنه عطف عليه قوله وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ والتقدير لكم فيها دفء ولكم فيها جمال

المسألة الثانية أنه تعالى لما ذكر أنه خلق الأنعام للمكلفين أتبعه بتعديد تلك المنافع واعلم أن منافع النعم منها ضرورية ومنها غير ضرورية والله تعالى بدأ بذكر المنافع الضرورية

فالمنفعة الأولى قوله لَكُمْ فِيهَا دِفْء وقد ذكر هذه المعنى في آية أخرى فقال وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا ( النحل 80 ) والدفء عند أهل اللغة ما يستدفأ به من الأكسية قال الأصمعي ويكون الدفء السخونة يقال أقعد في دفء هذا الحائط أي في كنه وقرىء دف بطرح الهمزة وإلقاء حركتها على الفاء

والمنفعة الثانية قوله كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ قالوا المراد نسلها ودرها وإنما عبر الله تعالى عن نسلها ودرها بلفظ المنفعة وهو اللفظ الدال على لوصف الأعم لأن النسل والدر قد ينتفع به في الأكل وقد ينتفع به في البيع بالنقود وقد ينتفع به بأن يبدل بالثياب وسائر الضروريات فعبر عن جملة هذه الأقسام بلفظ المنافع ليتناول الكل

والمنفعة الثالثة قوله وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ

فإن قيل قوله وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ يفيد الحصر وليس الأمر كذلك فإنه قد يؤكل من غيرها وأيضًا منفعة الأكل مقدمة على منفعة اللبس فلم أخر منفعته في الذكر

قلنا الجواب عن الأول إن الأكل منها هو الأصل الذي يعتمده الناس في معايشهم وأما الأكل من غيرها كالدجاج والبط وصيد البر والبحر فيشبه غير المعتاد وكالجاري مجرى التفكه ويحتمل أيضًا أن غالب أطعمتكم منها لأنكم تحرثون بالبقر والحب والثمار التي تأكلونها منها وأيضًا تكتسبون باكراء الإبل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت