فهرس الكتاب

الصفحة 3672 من 6606

يمكنه الانتقال من بلد إلى بلد إلا بشق الأنفس وحمل الأثقال على الجمال ومثبتو الكرامات يقولون إن الأولياء قد ينتقلون من بلد إلى بلد آخر بعيد في ليلة واحدة من غير تعب وتحمل مشقة فكان ذلك على خلاف هذه الآية فيكون باطلًا ولما بطل القول بالكرامات في هذه الصورة بطل القول بها في سائر الصور لأنه لا قائل بالفرق

وجوابه أنا نخصص عموم هذه الآية بالأدلة الدالة على وقوع الكرمات والله أعلم

وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَة ً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ

اعلم أنه تعالى لما ذكر منافع الحيوانات التي ينتفع الإنسان بها في المنافع الضرورية والحاجات الأصلية ذكر بعده منافع الحيوانات التي ينتفع بها الإنسان في المنافع التي ليست بضرورية فقال وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَة ً وفي الآية مسائل

المسألة الأولى قوله وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ عطف على الأنعام أي وخلق الأنعام لكذا وكذا وخلق هذه الأشياء للركوب وقوله وَزِينَة ٌ أي وخلقها زينة ونظيره قوله تعالى زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ( فصلت 12 ) المعنى وحفظناها حفظًا قال الزجاج نصب قوله وَزِينَة ٌ على أنه مفعول له والمعنى وخالقها للزينة

المسألة الثانية احتج القائلون بتحريم لحوم الخيل بهذه الآية فقالوا منفعة الأكل أعظم من منفعة الركوب فلو كان أكل لحم الخيل جائزًا لكان هذا المعنى أولى بالذكر وحيث لم يذكره الله تعالى علمنا أنه يحرم أكله ويمكن أيضًا أن يقوي هذا الاستدلال من وجه آخر فيقال إنه تعالى قال في صفة الأنعام وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ( النحل 5 ) وهذه الكلمة تفيد الحصر فيقتضي أن لا يجوز الأكل من غير الأنعام فوجب أن يحرم أكل لحم الخيل بمقتضى هذا الحصر ثم إنه تعالى بعد هذا الكلام ذكر الخيل والبغال والحمير وذكر أنها مخلوقة للركوب فهذا يقتضي أن منفعة الأكل مخصوصة بالأنعام وغير حاصلة في هذه الأشياء ويمكن الاستدلال بهذه الآية من وجه ثالث وهو أن قوله لِتَرْكَبُوهَا يقتضي أن تمام المقصود من خلق هذه الأشياء الثلاثة هو الركوب والزينة ولو حل أكلها لما كان تمام المقصود من خلقها هو الركوب بل كان حل أكلها أيضًا مقصودًا وحينئذ يخرج جواز ركوبها عن أن يكون تمام المقصود بل يصير بعض المقصود

وأجاب الواحدي بجواب في غاية الحسن فقال لو دلت هذه الآية على تحريم أكل هذه الحيوانات لكان تحريم أكلها معلومًا في مكة لأجل أن هذه السورة مكية ولو كان الأمر كذلك لكان قول عامة المفسرين والمحدثين أن لحوم الحمر الأهلية حرمت عام خيبر باطلًا لأن التحريم لما كان حاصلًا قبل هذا اليوم لم يبق لتخصيص هذا التحريم بهذه الشبهة فائدة وهذا جواب حسن متين

المسألة الثالثة القائلون بأن أفعال الله تعالى معللة بالمصالح والحكم احتجوا بظاهر هذه الآية فإنه يقتضي أن هذه الحيوانات مخلوقة لأجل المنفعة الفلانية ونظيره قوله كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ( إبراهيم 1 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت