فهرس الكتاب

الصفحة 3692 من 6606

الثاني أن يكون التقدير هذا الذي تذكرون أنه منزل من ربكم هو أساطير الأولين الثالث يحتمل أن يكون المراد أن هذا القرآن بتقدير أن يكون مما أنزله الله لكنه أساطير الأولين ليس فيه شيء من العلوم والفصاحة والدقائق والحقائق

واعلم أنه تعالى لما حكى شبههم قال لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَة ً يَوْمَ الْقِيَامَة ِ اللام في ليحملوا لام العاقبة وذلك أنهم لم يصفوا القرآن بكونه أساطير الأولين لأجل أن يحملوا الأوزار ولكن لما كانت عاقبتهم ذلك حسن ذكر هذه اللام كقوله ءالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ ( القصص 8 ) وقوله كَامِلَة ٌ معناه أنه تعالى لا يخفف من عقابهم شيئًا بل يوصل ذلك العقاب بكليته إليهم وأقول هذا يدل على أنه تعالى قد يسقط بعض العقاب عن المؤمنين إذ لو كان هذا المعنى حاصلًا في حق الكل لم يكن لتخصيص هؤلاء الكفار بهذا التكميل معنى وقوله وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ معناه ويحصل للرؤساء مثل أوزار الأتباع والسبب فيه ما روي عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال ( أيما داع دعا إلى الهدى فاتبع كان له مثل أجر من اتبعه لا ينقص من أجورهم شيء وأيما داع دعا إلى ضلالة فاتبع كان عليه مثل وزر من اتبعه لا ينقص من آثامهم شيء )

واعلم أنه ليس المراد منه أنه تعالى يوصل العقاب الذي يستحقه الأتباع إلى الرؤساء وذلك لأن هذا لا يليق بعدل الله تعالى والدليل عليه قوله تعالى وَأَن لَّيْسَ لِلإنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى ( النجم 39 ) وقوله وَلاَ تَزِرُ وازِرَة ٌ وِزْرَ أُخْرَى ( الإسراء 15 ) بل المعنى أن الرئيس إذا وضع سنة قبيحة عظم عقابه حتى أن ذلك العقاب يكون مساويًا لكل ما يستحقه كل واحد من الأتباع قال الواحدي ولفظه مِنْ في قوله وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ ليست للتبعيض لأنها لو كانت للتبعيض لخف عن الأتباع بعض أوزارهم وذلك غير جائز لقوله عليه السلام ( من غير أن ينقص من أوزارهم شيء ) ولكنها للجنس أي ليحملوا من جنس أوزار الأتباع وقوله بِغَيْرِ عِلْمٍ يعني أن هؤلاء الرؤساء إنما يقدمون على هذا الإضلال جهلًا منهم بما يستحقونه من العذاب الشديد على ذلك الإضلال ثم إنه تعالى ختم الكلام بقوله أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ والمقصود المبالغة في الزجر

فإن قيل إنه تعالى لما حكى عن القوم هذه الشبهة لم يجب عليها بل اقتصر على محض الوعيد فما السبب فيه

قلنا السبب فيه أنه تعالى بين كون القرآن معجزًا بطريقين الأول أنه ( صلى الله عليه وسلم ) تحداهم بكل القرآن وتارة بعشر سور وتارة بسورة واحدة وتارة بحديث واحد وعجزوا عن المعارضة وذلك يدل على كونه معجزًا الثاني أنه تعالى حكى هذه الشبهة بعينها في آية أخرى وهو قوله اكْتَتَبَهَا فَهِى َ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَة ً وَأَصِيلًا ( الفرقان 5 ) وأبطلها بقوله قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ السّرَّ فِى السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ ( الفرقان 6 ) ومعناه أن القرآن مشتمل على الأخبار عن الغيوب وذلك لا يتأتى إلا ممن يكون عالمًا بأسرار السموات والأرض فلما ثبت كون القرآن معجزًا بهذين الطريقين وتكرر شرح هذين الطريقين مرارًا كثيرة لا جرم اقتصر في هذه الآية على مجرد الوعيد ولم يذكر ما يجري مجرى الجواب عن هذه الشبهة والله أعلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت