فهرس الكتاب
واحدة وأما الشمائل فهي عبارة عن الانحرافات الواقعة في تلك الأظلال بعد وقوعها على الأرض وهي كثيرة فلذلك عبر الله تعالى عنها بصيغة الجمع والله أعلم
المسألة الرابعة أما قوله سُجَّدًا لِلَّهِ ففيه احتمالات الأول أن يكون المراد من السجود الاستسلام والانقياد يقال سجد البعير إذا طأطأ رأسه ليركب وسجدت النخلة إذا مالت لكثرة الحمل ويقال أسجد لقرد السوء في زمانه أي أخضع له قال الشاعر
ترى الأكم فيها سجدًا للحوافر
أي متواضعة إذا عرفت هذا فنقول إنه تعالى دبر النيرات الفلكية والأشخاص الكوكبية بحيث يقع أضواؤها على هذا العالم السفلي على وجوه مخصوصة ثم إنا نشاهد أن تلك الأضواء وتلك الإظلال لا تقع في هذا العالم إلا على وفق تدبير الله تعالى وتقديره فنشاهد أن الشمس إذا طلعت وقعت الأجسام الكثيفة أظلال ممتدة في الجانب الغربي من الأرض ثم كلما ازدادت الشمس طلوعًا وارتفاعًا ازدادت تلك الأظلال تقلصًا وانتقاصًا إلى الجانب الشرقي إلى أن تصل الشمس إلى وسط الفلك فإذا انحدرت إلى الجانب الغربي ابتدأت الأظلال بالوقوع في الجانب الشرقي وكلما ازدادت الشمس انحدارًا ازدادت الأظلال تمددًا وتزايدًا في الجانب الشرقي وكما أنا نشاهد هذه الحالة في اليوم الواحد فكذلك نشاهد أحوال الأظلال مختلفة في التيامن والتياسر في طول السنة بسبب اختلاف أحوال الشمس في الحركة من الجنوب إلى الشمال وبالعكس فلما شاهدنا أحوال هذه الأظلال مختلفة بسبب الاختلافات اليومية الواقعة في شرق الأرض وغربها وبحسب الاختلافات الواقعة في طول السنة في يمين الفلك ويساره ورأينا أنها واقعة على وجه مخصوص وترتيب معين علمنا أنها منقادة لقدرة الله خاضعة لتقديره وتدبيره فكانت السجدة عبارة عن هذه الحالة
فإن قيل لم لا يجوز أن يقال اختلاف حال هذه الأظلال معلل باختلاف سير النير الأعظم الذي هو الشمس لا لأجل تقدير الله تعالى وتدبيره
قلنا قد دللنا على أن الجسم لا يكون متحركًا لذاته إذ لو كانت ذاته علة لهذا الجزء المخصوص من الحركة لبقي هذا الجزء من الحركة لبقاء ذاته ولو بقي ذلك الجزء من الحركة لامتنع حصول الجزء الآخر من الحركة ولو كان الأمر كذلك لكان هذا سكونًا لا حركة فالقول بأن الجسم المتحرك لذاته يوجب القول بكونه ساكنًا لذاته وأنه محال وما أفضى ثبوته إلى نفيه كان باطلًا فعلمنا أن الجسم يمتنع كونه متحركًا لذاته وأيضًا فقد دللنا على أن الأجسام متماثلة في تمام الماهية فاختصاص جرم الشمس بالقوة المعينة والخاصية المعينة لا بد وأن يكون بتدبير الخالق المختار الحكيم
إذا ثبت هذا فنقول هب أن اختلاف أحوال الأظلال إنما كان لأجل حركات الشمس إلا أنا لما دللنا على أن محرك الشمس بالحركة الخاصة ليس إلا الله سبحانه كان هذا دليلًا على أن اختلاف أحوال الأظلال لم يقع إلا بتدبير الله تعالى وتخليقه فثبت أن المراد بهذا السجود الانقياد والتواضع ونظيره قوله وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ( الرحمن 6 ) وقوله وَظِلَالُهُم بِالْغُدُوّ وَالاْصَالِ ( الرعد 15 ) قد مر بيانه وشرحه
والقول الثاني في تفسير هذا السجود أن هذه الأظلال واقعة على الأرض ملتصقة بها على هيئة