فهرس الكتاب
على أطراف الأشجار وعلى الأوراق والأزهار فيلقطها الزنبور بفمه فإذا ذهبنا إلى هذا الوجه كان المراد من قوله يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا أي من أفواهها وكل تجويف في داخل البدن فإنه يسمى بطنًا ألا ترى أنهم يقولون بطون الدماغ وعنوا أنها تجاويف الدماغ وكذا ههنا يخرج من بطونها أي من أفواهها وأما على قول أهل الظاهر وهو أن النحلة تأكل الأوراق والثمرات ثم تقيء فذلك هو العسل فالكلام ظاهر
ثم قال تعالى شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَآء لِلنَّاسِ اعلم أنه تعالى وصف العسل بهذه الصفات الثلاثة
فالصفة الأولى كونه شرابًا والأمر كذلك لأنه تارة يشرب وحده وتارة يتخذ من الأشربة
والصفة الثانية قوله مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ والمعنى أن منه أحمر وأبيض وأصفر ونظيره قوله تعالى وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ ( فاطر 27 ) والمقصود منه إبطال القول بالطبع لأن هذا الجسم مع كونه متساوي الطبيعة لما حدث على ألوان مختلفة دل ذلك على أن حدوث تلك الألوان بتدبير الفاعل المختار لا لأجل إيجاد الطبيعة
والصفة الثالثة قوله فِيهِ شِفَآء لِلنَّاسِ وفيه قولان
القول الأول وهو الصحيح أنه صفة للعسل
فإن قالوا كيف يكون شفاء للناس وهو يضر بالصفراء ويهيج المرارة
قلنا إنه تعالى لم يقل إنه شفاء لكل الناس ولكل داء وفي كل حال بل لما كان شفاء للبعض من بعض الأدواء صلح بأن يوصف بأنه فيه شفاء والذي يدل على أنه شفاء في الجملة أنه قال معجون من المعاجين إلا وتمامه وكماله إنما يحصل بالعجن بالعسل وأيضًا فالأشربة المتخذة منه في الأمراض البلغمية عظيمة النفع
والقول الثاني وهو قول مجاهد أن المراد أن القرآن شفاء للناس وعلى هذا التقدير فقصة تولد العسل من النحل تمت عند قوله يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ ثم ابتدأ وقال فِيهِ شِفَآء لِلنَّاسِ أي في هذا القرآن حصل ما هو شفاء للناس من الكفر والبدعة مثل هذا الذي في قصة النحل وعن ابن مسعود أن العسل شفاء من كل داء والقرآن شفاء لما في الصدور
واعلم أن هذا القول ضعيف ويدل عليه وجهان الأول أن الضمير في قوله فِيهِ شِفَآء لِلنَّاسِ يجب عوده إلى أقرب المذكورات وما ذاك إلا قوله شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ وأما الحكم بعود هذا الضمير إلى القرآن مع أنه غير مذكور فيما سبق فهو غير مناسب والثاني ما روى أبو سعيد الخدري أنه جاء رجل إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وقال إن أخي يشتكي بطنه فقال ( اسقه عسلًا ) فذهب ثم رجع فقال قد سقيته فلم يغن عنه شيئًا فقال عليه الصلاة والسلام ( اذهب واسقه عسلًا ) فذهب فسقاه فكأنما نشط من عقال فقال ( صدق الله وكذب بطن أخيك ) وحملوا قوله ( صدق الله وكذب بطن أخيك ) على قوله فِيهِ شِفَآء لِلنَّاسِ وذلك إنما يصح لو كان هذا صفة للعسل
فإن قال قائل ما المراد بقوله عليه السلام ( صدق الله وكذب بطن أخيك )