فهرس الكتاب

الصفحة 3740 من 6606

الإنسان وعقله لوجب أن يكون الأعقل أفضل في هذه الأحوال فلما رأينا أن الأعقل أقل نصيبًا وأن الأجهل الأخس أوفر نصيبًا علمنا أن ذلك بسبب قسمة القسام كما قال تعالى أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَة َ رَبّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِى الْحَيَواة ِ الدُّنْيَا ( الزخرف 32 ) وقال الشافعي رحمه الله تعالى ومن الدليل على القضاء وكونه

بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق

واعلم أن هذا التفاوت غير مختص بالمال بل هو حاصل في الذكاء والبلادة والحسن والقبح والعقل والحمق والصحة والسقم والاسم الحسن والاسم القبيح وهذا بحر لا ساحل له وقد كنت مصاحبًا لبعض الملوك في بعض الأسفار وكان ذلك الملك كثير المال والجاه وكانت الجنائب الكثيرة تقاد بين يديه وما كان يمكنه ركوب واحد منها وربما حضرت الأطعمة الشهية والفواكه العطرة عنده وما كان يمكنه تناول شيء منها وكان الواحد منا صحيح المزاج قوي البنية كامل القوة وما كان يجد ملء بطنه طعامًا فذلك الملك وإن كان يفضل على هذا الفقير في المال إلا أن هذا الفقير كان يفضل على ذلك الملك في الصحة والقوة وهذا باب واسع إذا اعتبره الإنسان عظم تعجبه منه

أما قوله فَمَا الَّذِينَ فُضّلُواْ بِرَآدّى رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ففيه قولان

القول الأول أن المراد من هذا الكلام تقرير ما سبق في الآية المتقدمة من أن السعادة والنحوسة لا يحصلان إلا من الله تعالى والمعنى أن الموالي والمماليك أنا رازقهم جميعًا فهم في رزقي سواء فلا يحسبن الموالي أنهم يردون على مماليكهم من عندهم شيئًا من الرزق وأن المالك لا يرزق العبد بل الرازق للعبد والمولى هو الله تعالى وتحقيق القول أنه ربما كان العبد أكمل عقلًا وأقوى جسمًا وأكثر وقوفًا على المصالح والمفاسد من المولى وذلك يدل على أن ذلة ذلك العبد وعزة ذلك المولى من الله تعالى كما قال وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء ( آل عمران 26 )

والقول الثاني أن المراد من هذه الآية الرد على من أثبت شريكًا لله تعالى ثم على هذا القول ففيه وجهان الأول أن يكون هذا ردًا على عبدة الأوثان والأصنام كأنه قيل إنه تعالى فضل الملوك على مماليكهم فجعل المملوك لا يقدر على ملك مع مولاه فلما لم تجعلوا عبيدكم معكم سواء في الملك فكيف تجعلون هذه الجمادات معي سواء في المعبودية والثاني قال ابن عباس رضي الله عنهما نزلت هذه الآية في نصارى نجران حين قالوا إن عيسى ابن مريم ابن الله فالمعنى أنكم لا تشركون عبيدكم فيما ملكتم فتكونوا سواء فكيف جعلتم عبدي ولدًا لي وشريكًا في الإلهية

ثم قال تعالى فَهُمْ فِيهِ سَوَآء معنى الفاء في قوله فَهُمُ حتى والمعنى فما الذين فضلوا بجاعلي رزقهم لعبيدهم حتى تكون عبيدهم فيه معهم سواء في الملك

ثم قال أَفَبِنِعْمَة ِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ وفيه مسألتان

المسألة الأولى قرأ عاصم في رواية أبي بكر يَجْحَدُونَ بالتاء على الخطاب لقوله خَلَقَكُمْ وَفَضَّلَ بَعْضُكُمْ والباقون بالياء لقوله فَهُمْ فِيهِ سَوَآء واختاره أبو عبيدة وأبو حاتم لقرب الخبر عنه وأيضًا فظاهر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت