فهرس الكتاب

الصفحة 3954 من 6606

اعلم أن المعنى كما زدناهم هدى وربطنا على قلوبهم وأنمناهم وقلبناهم وبعثناهم لما فيها من الحكم الظاهرة فكذلك أعثرنا عليهم أي أطلعنا غيرهم على أحوالهم يقال عثرت على كذا أي علمته وقالو إن أصل هذا أن من كان غافلًا عن شيء فعثر به نظر إليه فعرفه فكان العثار سببًا لحصول العلم والتبين فأطلق اسم السبب على المسبب واختلفوا في السبب الذي لأجله عرف الناس واقعة أصحاب الكهف على وجهين الأول أنه طالت شعورهم وأظفارهم طولًا مخالفًا للعادة وظهرت في بشرة وجوههم آثار عجيبة تدل على أن مدتهم قد طالت طولًا خارجًا عن العادة والثاني أن ذلك الرجل لما دخل إلى لسوق ليشتري الطعام وأخرج الدراهم لثمن الطعام قال صاحب الطعام هذه النقود غير موجودة في هذا اليوم وإنها كانت موجودة قبل هذا الوقت بمدة طويلة ودهر داهر فلعلك وجدت كنزًا واختلف الناس فيه وحملوا ذلك الرجل إلى ملك البلد فقال الملك من أين وجدت هذه الدراهم فقال بعت بها أمس شيئًا من التمر وخرجنا فرارًا من الملك دقيانوس فعرف ذلك الملك أنه ما وجد كنزًا وأن الله بعثه بعد موته ثم قال تعالى لِيَعْلَمُواْ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ يعني أنا إنما أطلعنا القوم على أحوالهم ليعلم القوم أن وعد الله حق بالبعث والحشر والنشر روى أن ملك ذلك الوقت كان ممن ينكر البعث إلا أنه كان مع كفرة منصفًا فجعل الله أمر الفتية دليلًا للملك وقيل بل اختلفت الأمة في ذلك الزمان فقال بعضهم الجسد والروح يبعثان جميعًا وقال آخرون الروح تبعث وأما الجسد فتأكله الأرض ثم إن ذلك الملك كان يتضرع إلى الله أن يظهر له آية يستدل بها على ما هو الحق في هذه المسألة فأطلعه الله تعالى على أمر أصحاب أهل الكهف فاستدل ذلك الملك بواقعتهم على صحة البعث للأجساد لأن انتباههم بعد ذلك النوم الطويل يشبه من يموت ثم يبعث فقوله إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ متعلق باعثرنا أي أعثرناهم عليهم حين يتنازعون بينهم واختلفوا في المراد بهذا التنازع فقيل كانوا يتنازعون في صحة البعث فالقائلون به استدلوا بهذه الواقعة على صحته وقالوا كما قدر الله على حفظ أجسادهم مدة ثلثمائة سنة وتسع سنين فكذلك يقدر على حشر الأجساد بعد موتها وقيل إن الملك وقومه لما رأوا أصحاب الكهف ووقفوا على أحوالهم عاد القوم إلى كهفهم فأماتهم الله فعند هذا اختلف الناس فقال قوم إنهم نيام كالكرة الأولى وقال آخرون بل الآن ماتوا والقول الثالث أن بعضهم قال الأولى أن يسد باب الكهف لئلا يدخل عليهم أحد ولا يقف على أحوالهم إنسان وقال آخرون بل الأولى أن يبني على باب الكهف مسجد وهذا القول يدل على أن أولئك الأقوام كانوا عارفين بالله معترفين بالعبادة والصلاة والقول الرابع أن الكفار قالوا إنهم كانوا على ديننا فنتخذ عليهم بنيانًا والمسلمون قالوا كانوا على ديننا فنتخذ عليهم مسجدًا والقول الخامس أنهم تنازعوا في قدر مكثهم والسادس أنهم تنازعوا في عددهم وأسمائهم ثم قال تعالى رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ وهذا فيه وجهان أحدهما أنه من كلام المتنازعين كأنهم لما تذاكروا أمرهم وتناقلوا الكلام في أسمائهم وأحوالهم ومدة لبثهم فلما لم يهتدوا إلى حقيقة ذلك قالوا ربهم أعلم بهم الثاني أن هذا من كلام الله تعالى ذكره ردًا للخائضين في حديثهم من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت