فهرس الكتاب

الصفحة 3965 من 6606

إثبات هذا المطلوب وعند هذا يظهر أن المراد بقوله تعالى وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ هو إيجاد الغفلة لا وجدانها أما حديث المدح والذ فقد عارضناه مرارًا وأطوارًا بالعلم والداعي أما قوله تعالى بعد هذه الآية فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ فالبحث عنه سيأتي إن شاء الله تعالى أما قوله وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ لو كان المراد إيجاد الغفلة لوجب ذكر الفاء لا ذكر الواو فنقول هذا إنما يلزم لو كان خلق الغفلة في القلب من لوازمه حصول اتباع الهوى كما أن الكسر من لوازمه حصول الإنكسار وليس الأمر كذلك لأنه لا يلزم من حصول الغفلة عن الله حصول متابعة الهوى لاحتمال أن يصير غافلًا عن ذكر الله ومع ذلك فلا يتبع الهوى بل يبقى متوقفًا لا ينافي مقام الحيرة والدهشة والخوف من الكل فسقط هذا السؤال وذكر القفال في تأويل الآية على مذهب المعتزلة وجوهًا أخرى فأحدها أنه تعالى لما صب عليهم الدنيا صبًا وأدى ذلك إلى رسوخ الغفلة في قلوبهم صح على هذا التأويل أنه تعالى حصل الغفلة في قلوبهم كما في قوله تعالى فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِى إِلاَّ فِرَارًا ( نوح 6 ) والوجه الثاني أن معنى قوله أَغْفَلْنَا أي تركناه غافلًا فلم نسمه بسمة أهل الطهارة والتقوى وهو من قولهم بعير غفل أي لا سمة عليه وثالثها أن المراد من قوله أغفلنا قلبه أي خلاه مع الشيطان ولم يمنع الشيطان منه فيقال في الوجه الأول إن فتح باب لذات الدنيا عليه هل يؤثر في حصول الغفلة في قلبه أو لا يؤثر فإن أثر كان أثر إيصال اللذات إليه سببًا لحصول الغفلة في قلبه وذلك عين القول بأنه تعالى فعل ما يوجب حصول الغفلة في قلبه وإن كان لا تأثير له في حصول هذه الغفلة بطل إسناده إليه وقد يقال في الوجه الثاني إن قوله أغفلنا قلبه بمنزلة قوله سودنا قلبه وبيضنا وجهه ولا يفيد إلا ما ذكرناه ويقال في الوجه الثالث إن كان لتلك التخلية أثر في حصول تلك الغفلة فقد صح قولنا وإلا بطل استناد تلك الغفلة إلى الله تعالى

المسألة الثانية قوله وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ يدل على أن شر أحوال الإنسان أن يكون قلبه خاليًا عن ذكر الحق ويكون مملوءًا من الهوى الداعي إلى الاشتغال بالخلق وتحقيق القول أن ذكر الله نور وذكر غيره ظلمة لأن الوجود طبيعة النور والعدم منبع الظلمة والحق تعالى واجب الوجود لذاته فكان النور الحق هو الله وما سوى الله فهو ممكن الوجود لذاته والإمكان طبيعة عدمية فكان منبع الظلمة فالقلب إذا أشرق فيه ذكر الله فقد حصل فيه النور والضوء والإشراق وإذا توجه القلب إلى الخلق فقد حصل فيه الظلم والظلمة بل الظلمات فلهذا السبب إذا أعرض القلب عن الحق وأقبل على الخلق فهو الظلمة الخالصة التامة فالإعراض عن الحق هو المراد بقوله أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا والإقبال على الخلق هو المراد بقوله وَاتَّبَعَ هَوَاهُ

المسألة الثالثة قيل فُرُطًا أي مجاوزًا للحد من قولهم فرس فرط إذا كان متقدمًا الخيل قال الليث الفرط الأمر الذي يفرط فيه يقال كل أمر فلان فرط وأنشد شعرًا لقد كلفني شططا

وأمرًا خائبًا فرطا

أي مضيعًا فقوله وكان أمره فرطًا معناه أن الأمر الذي يلزمه الحفظ له والاهتمام به وهو أمر دينه يكون مخصوصًا بإيقاع التفريط والتقصير فيه وهذه الحالة صفة من لا ينظر لدينه وإنما عمله لدنياه فبين تعالى من حال الغافلين عن ذكر الله التابعين لهواهم أنهم مقصرون في مهماتهم معرضون عما وجب عليهم من التدبر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت