فهرس الكتاب

الصفحة 3981 من 6606

وفيه مسائل

المسألة الأولى اعلم أن المقصود من ذكر الآيات المتقدمة الرد على القوم الذين افتخروا بأموالهم وأعوانهم على فقراء المسلمين وهذه الآية المقصود من ذكرها عين هذا المعنى وذلك لأن إبليس إنما تكبر على آدم لأنه افتخر بأصله ونسبه وقال خلقتني من نار وخلقته من طين فأنا أشرف منه في الأصل والنسب فكيف أسجد وكيف أتواضع لها وهؤلاء المشركون عاملوا فقراء المسلمين بعين هذه المعاملة فقالوا كيف نجلس مع هؤلاء الفقراء مع أنا من أنساب شريفة وهم من أنساب نازلة ونحن أغنياء وهم فقراء فالله تعالى ذكر هذه القصة ههنا تنبيهًا على أن هذه الطريقة هي بعينها طريقة إبليس ثم إنه تعالى حذر عنها وعن الاقتداء بها في قوله أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرّيَّتَهُ أَوْلِيَاء فهذا هو وجه النظم وهو حسن معتبر وذكر القاضي وجهًا آخر فقال إنه تعالى لما ذكر من قبل أمر القيامة وما يجري عند الحشر ووضع الكتاب وكأن الله تعالى يريد أن يذكر ههنا أنه ينادي المشركين ويقول لهم أين شركائي الذي زعمتم وكان قد علم تعالى أن إبليس هو الذي يحمل الإنسان على إثبات هؤلاء الشركاء لا جرم قدم قصته في هذه الآية إتمامًا لذلك الغرض ثم قال القاضي وهذه القصة وإن كان تعالى قد كررها في سور كثيرة إلا أن في كل موضع منها فائدة مجددة

المسألة الثانية أنه تعالى بين في هذه الآية أن إبليس كان من الجن وللناس في هذه المسألة ثلاثة أقوال الأول أنه من الملائكة وكونه من الملائكة لا ينافي كونه من الجن ولهم فيه وجوه الأول أن قبيلة من الملائكة يسمون بذلك لقوله تعالى وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّة ِ نَسَبًا ( الصافات 158 ) وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ ( الأنعام 100 ) والثاني أن الجن سموا جنًا للاستتار والملائكة كذلك فهم داخلون في الجن الثالث أنه كان خازن الجنة ونسب إلى الجنة كقولهم كوفي وبصري وعن سعيد بن جبير أنه كان من الجنانين الذين يعملون في الجنات حي من الملائكة يصوغون حلية أهل الجنة مذ خلقوا رواه القاضي في تفسيره عن هشام عن سعيد بن جبير والقول الثاني أنه من الجن الذين هم الشياطين والذين خلقوا من نار وهو أبوهم والقول الثالث قول من قال كان من الملائكة فمسخ وغير وهذه المسألة قد أحكمناها في سورة البقرة وأصل ما يدل على أنه ليس من الملائكة أنه تعالى أثبت له ذرية ونسلًا في هذه الآية وهو قوله أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِى والملائكة ليس لهم ذرية ولا نسل فوجب أن لا يكون إبليس من الملائكة بقي أن يقال إن الله تعالى أمر الملائكة بالسجود فلو لم يكن إبليس من الملائكة فكيف تناوله ذلك الأمر وأيضًا لو لم يكن من الملائكة فكيف يصح استثناؤه منهم وقد أجبنا عن كل ذلك بالاستقصاء ثم قال تعالى فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ وفي ظاهره إشكال لأن الفاسق لا يفسق عن أمر ربه فلهذا السبب ذكروا فيه وجوهًا الأول قال الفراء ففسق عن أمر ربه أي خرج عن طاعته والعرب تقول فسقت الرطبة من قشرها أي خرجت وسميت الفأرة فويسقة لخروجها من جحرها من البابين وقال رؤبة يهوين في نجد وغور غائرا

فواسقا عن قصدها جوائرا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت