فهرس الكتاب

الصفحة 3994 من 6606

التعليم ولهذا المعنى قيل أنا عبد من تعلمت منه حرفًا وثامنها أن المتابعة عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير لأجل كونه فعلًا لذلك الغير فإنا إذا قلنا لا إله إلا الله فاليهود الذين كانوا قبلنا كانوا يذكرون هذه الكلمة فلا يجب كوننا متبعين لهم في ذكر هذه الكلمة لأنا لا نقول هذه الكلمة لأجل أنهم قالوها بل إنما نقولها لقيام الدليل على أنه يجب ذكرها أما إذا أتينا بهذه الصلوات الخمس على موافقة فعل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فإنما أتينا بها لأجل أنه عليه السلام أتى بها لا جرم كنا متابعين في فعل هذه الصلوات لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إذا ثبت هذا فنقول قوله هَلْ أَتَّبِعُكَ يدل على أنه يأتي بمثل أفعال ذلك الأستاذ لمجرد كون ذلك الأستاذ آتيًا بها وهذا يدل على أن المتعلم يجب عليه في أول الأمر التسليم وترك المنازعة والاعتراض وتاسعها أن قوله اتَّبَعَكَ يدل على طلب متابعته مطلقًا في جميع الأمور غير مقيد بشيء دون شيء وعاشرها أنه ثبت بالإخبار أن الخضر عرف أولًا أنه نبي بني إسرائيل وأنه هو موسى صاحب التوراة وهو الرجل الذي كلمه الله عز وجل من غير واسطة وخصه بالمعجزات القاهرة الباهرة ثم إنه عليه السلام مع هذه المناصب الرفيعة والدرجات العالية الشريفة أتى بهذه الأنواع الكثيرة من التواضع وذلك يدل على كونه عليه السلام آتيًا في طلب العلم بأعظم أنواع المبالغة وهذا هو اللائق به لأن كل من كانت إحاطته بالعلوم أكثر كان علمه بما فيها من البهجة والسعادة أكثر فكان طلبه لها أشد وكان تعظيمه لأرباب العلم أكمل وأشد والحادي عشر أنه قال هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن فأثبت كونه تبعًا له أولًا ثم طلب ثانيًا أن يعلمه وهذا منه ابتداء بالخدمة ثم في المرتبة الثانية طلب منه التعليم والثاني عشر أنه قال هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن فلم يطلب على تلك المتابعة على التعليم شيئًا كان قال لا أطلب منك على هذه المتابعة المال والجاه ولا غرض لي إلا طلب العلم ثم إنه تعالى حكى عن الخضر أنه قال إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِى َ صَبْرًا وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا وفيه مسائل

المسألة الأولى اعلم أن المتعلم على قسمين متعلم ليس عنده شيء من العلم ولم يمارس القيل والقال ولم يتعود التقرير والاعتراض ومتعلم حصل العلوم الكثيرة ومارس الاستدلال والاعتراض ثم إنه يريد أن يخالط إنسانًا أكمل منه ليبلغ درجة التمام والكمال والتعلم في هذا القسم الثاني شاق شديد وذلك لأنه إذا رأى شيئًا أو سمع كلامًا فربما كان ذلك بحسب الظاهر منكرًا إلا أنه كان في الحقيقة حقًا صوابًا فهذا المتعلم لأجل أنه ألف القيل والقال وتعود الكلام والجدال يغتر ظاهره ولأجل عدم كماله لا يقف على سره وحقيقته وحينئذ يقدم على النزاع والاعتراض والمجادلة وذلك مما يثقل سماعه على الأستاذ الكامل المتبحر فإذا اتفق مثل هذه الواقعة مرتين أو ثلاثة حصلت النفرة التامة والكراهة الشديدة وهذا هو الذي أشار إليه الخضر بقوله إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِى َ صَبْرًا إشارة إلى أنه ألف الكلام وتعود الإثبات والإبطال والاستدلال والاعتراض وقوله وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا إشارة إلى كونه غير عالم بحقائق الأشياء كما هي وقد ذكرنا أنه متى حصل الأمران صعب السكوت وعسر التعليم وانتهى الأمر بالآخرة إلى النفرة والكراهية وحصول التقاطع والتنافر

المسألة الثانية احتج أصحابنا بقوله إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِى َ صَبْرًا على أن الاستطاعة لا تحصل قبل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت