فهرس الكتاب
بانتساب شيء إلى شيء عالم لا محالة بكلا الطرفين فلما كان العلم الضروري بهذه المنسوبية حاصلًا كان العلم الضروري بماهية العلم حاصلًا وإذا كان كذلك كان تعريفه ممتنعًا فهذا القدر كافٍ ههنا وسائر التدقيقات مذكورة في ( الكتب العقلية ) والله أعلم
المسألة الثامنة في البحث عن ألفاظ يظن بها أنها مرادفة للعلم وهي ثلاثون أحدها الإدراك وهو اللقاء والوصول يقال أدرك الغلام وأدركت الثمرة قال تعالى قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ( الشعراء 61 ) فالقوة العاقلة إذا وصلت إلى ماهية المعقول وحصلتها كان ذلك إدراكًا من هذه الجهة وثانيها الشعور وهو إدراك بغير استثبات وهو أول مراتب وصول المعلوم إلى القوة العاقلة وكأنه إدراك متزلزل ولهذا يقال في الله تعالى إنه يشعر بكذا كما يقال إنه يعلم كذا وثالثها التصور إذا حصل وقوف القوة العاقلة على المعنى وأدركه بتمامه فذلك هو التصور واعلم أن التصور لفظ مشتق من الصورة ولفظ الصورة حيث وضع فإنما وضع للهيئة الجسمانية الحاصلة في الجسم المتشكل إلا أن الناس لما تخيلوا أن حقائق المعلومات تصير حالة في القوة العاقلة كما أن الشكل والهيئة يحلان في المادة الجسمانية أطلقوا لفظ التصور عليه بهذا التأويل ورابعها الحفظ فإذا حصلت الصورة في العقل وتأكدت واستحكمت وصارت بحيث لو زالت لتمكنت القوة العاقلة من استرجاعها واستعادتها سميت تلك الحالة حفظًا ولما كان الحفظ مشعرًا بالتأكد بعد الضعف لا جرم لا يسمى علم الله حفظًا ولأنه إنما يحتاج إلى الحفظ ما يجوز زواله ولما كان ذلك في علم الله تعالى محالًا لا جرم لا يسمى ذلك حفظًا وخامسها التذكر وهو أن الصورة المحفوظة إذا زالت عن القوة العاقلة فإذا حاول الذهن استرجاعها فتلك المحاولة هي التذكر واعلم أن للتذكر سرًا لا يعلمه إلا الله تعالى وهو أن التذكر صار عبارة عن طلب رجوع تلك الصورة الممحية الزائلة فتلك الصورة إن كانت مشعورًا بها فهي حاضرة حاصلة والحاصل لا يمكن تحصيله فلا يمكن حينئذٍ استرجاعها وإن لم تكن مشعورًا بها كان الذهن غافلًا عنها وإذا كان غافلًا عنها استحال أن يكون طالبًا لاسترجاعها لأن طلب ما لا يكون متصورًا محال فعلى كلا التقديرين يكون التذكر المفسر بطلب الاسترجاع ممتنعًا مع أنا نجد من أنفسنا أنا قد نطلبها ونسترجعها وهذه الأسرار إذا توغل العاقل فيها وتأملها عرف أنه لا يعرف كنهها مع أنها من أظهر الأشياء عند الناس فكيف القول في الأشياء التي هي أخفى الأمور وأعضلها على العقول والأذهان وسادسها الذكر فالصورة الزائلة إذا حاول استرجاعها فإذا عادت وحضرت بعد ذلك الطلب سمي ذلك الوجدان ذكرًا فإن لم يكن هذا الإدراك مسبوقًا بالزوال لم يسم ذلك الإدراك ذكرًا ولهذا قال الشاعر فالله يعلم أني لست أذكره
وكيف أذكره إذ لست أنساه
فجعل حصول النسيان شرطًا لحصول الذكر ويوصف القول بأنه ذكر لأنه سبب حصول المعنى في النفس قال تعالى إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ( الحجر 9 ) وههنا دقيقة تفسيرية وهي أنه سبحانه وتعالى قال فَاذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ ( البقرة 52 ) فهذا الأمر هل يتوجه على العبد حال حصول النسيان أو بعد