فهرس الكتاب

الصفحة 4108 من 6606

السؤال الأول ما الحكمة في قلب العصا حية في ذلك الوقت الجواب فيه وجوه أحدها أنه تعالى قلبها حية لتكون معجزة لموسى عليه السلام يعرف بها نبوة نفسه وذلك لأنه عليه السلام إلى هذا الوقت ما سمع إلا النداء والنداء وإن كان مخالفًا للعادات إلا أنه لم يكن معجزًا لاحتمال أن يكون ذلك من عادات الملائكة أو الجن فلا جرم قلب الله العصا حية ليصير ذلك دليلًا قاهرًا والعجب أن موسى عليه السلام قال أتوكأ عليها فصدقه الله تعالى فيه وجعلها متكأ له بأن جعلها معجزة له وثانيها أن النداء كان إكرامًا له فقلب العصا حية مزيدًا في الكرامة ليكون توالي الخلع والكرامات سببًا لزوال الوحشة عن قلبه وثالثها أنه عرض عليه ليشاهده أولًا فإذا شاهده عند فرعون لا يخافه ورابعها أنه كان راعيًا فقيرًا ثم إنه نصب للمنصب العظيم فلعله بقي في قلبه تعجب من ذلك فقلب العصا حية تنبيهًا على أني لما قدرت على ذلك فكيف يستبعد مني نصرة مثلك في إظهار الدين وخامسها أنه لما قال قَالَ هِى َ عَصَاى َ أَتَوَكَّؤُا إلى قوله وَلِى َ فِيهَا مَأَرِبُ أُخْرَى فقيل له أَلْقَاهَا فلما ألقاها وصارت حية فر موسى عليه السلام منها فكأنه قيل له ادعيت أنها عصاك وأن لك فيها مآرب أخرى فلم تفر منها تنبيهًا على سر قوله فَفِرُّواْ إِلَى اللَّهِ ( الذاريات 50 ) وقوله قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ ( الأنعام 91 ) السؤال الثاني قال ههنا حية وفي موضع آخر ثعبان وجان أما الحية فاسم جنس يقع على الذكر والأنثى والصغير والكبير وأما الثعبان والجان فبينهما تناف لأن الثعبان العظيم من الحيات والجان الدقيق وفيه وجهان أحدهما أنها كانت وقت انقلابها حية صغيرة دقيقة ثم تورمت وتزايد جرمها حتى صارت ثعبانًا فأريد بالجان أول حالها وبالثعبان مآلها والثاني أنها كانت في شخص الثعبان وسرعة حركة الجان والدليل عليه قوله تعالى فَلَمَّا رَءاهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ السؤال الثالث كيف كانت صفة الحية الجواب كان لها عرف كعرف الفرس وكان بين لحييها أربعون ذراعًا وابتلعت كل ما مرت به من الصخور والأشجار حتى سمع موسى صرير الحجر في فمها وجوفها أما قوله تعالى قَالَ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا الاْولَى ففيه سؤالات السؤال الأول لما نودي موسى وخص بتلك الكرامات العظيمة وعلم أنه معبوث من عند الله تعالى إلى الخلق فلم خاف والجواب من وجوه أحدها أن ذلك الخوف كان من نفرة الطبع لأنه عليه السلام ما شاهد مثل ذلك قط وأيضًا فهذه الأشياء معلومة بدلائل العقول وعند الفزع الشديد قد يذهل الإنسان عنه قال الشيخ أبو القاسم الأنصاري رحمه الله تعالى وذلك الخوف من أقوى الدلائل على صدقه في النبوة لأن الساحر يعلم أن الذي أتى به تمويه فلا يخافه ألبتة وثانيها قال بعضهم خافها لأنه عليه السلام عرف ما لقي آدم منها وثالثها أن مجرد قوله لاَ تَخَفْ لا يدل على حصول الخوف كقوله تعالى وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ ( الأحزاب 1 ) لا يدل على وجود تلك الطاعة لكن قوله فَلَمَّا رَءاهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا ( النمل 10 ) يدل عليه ولكن ذلك الخوف إنما ظهر ليظهر الفرق بينه وبين محمد ( صلى الله عليه وسلم ) فإنه عليه السلام أظهر تعلق القلب بالعصا والنفرة عن الثعبان وأما محمد عليه السلام فما أظهر الرغبة في الجنة ولا النفرة عن النار السؤال الثاني متى أخذها بعد انقلابها عصا أو قبل ذلك والجواب روي أنه أدخل يده بين أسنانها فانقلبت خشبة والقرآن يدل عليه أيضًا بقوله سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا الاْولَى وذلك يقع في الاستقبال وأيضًا فهذا أقرب للكرامة لأنه كما أن انقلاب العصا حية معجزة فكذلك إدخال يده في فمها من غير ضرر معجزة وانقلابها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت