فهرس الكتاب

الصفحة 4113 من 6606

فعند هذه الدرجة فازوا بالخلع الأربعة الوجود والحياة والقدرة والعقل فالعقل خاتم الكل والخاتم يجب أن يكون أفضل ألا ترى أن رسولنا ( صلى الله عليه وسلم ) لما كان خاتم النبيين كان أفضل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والإنسان لما كان خاتم المخلوقات الجسمانية كان أفضلها فكذلك العقل لما كان خاتم الخلع الفائضة من حضرة ذي الجلال كان أفضل الخلع وأكملها ثم نظر العقل في نفسه فرأى نفسه كالجفنة المملوءة من الجواهر النفيسة بل كأنها سماء مملوءة من الكواكب الزاهرة وهي العلوم الضرورية البديهية المركوزة في بدائه العقول وصرائح الأذهان وكما أن الكواكب المركوزة في السموات علامات يهتدى بها في ظلمات البر والبحر فكذلك الجواهر المركوزة في سماء العقل كواكب زاهرة يهتدي بها السائرون في ظلمات عالم الأجسام إلى أنوار العالم الروحانية وفسحة السموات وأضوائها فلما نظر العقل إلى تلك الكواكب الزاهرة والجواهر الباهرة رأى رقم الحدوث على تلك الجواهر وعلى جميع تلك الخلع فاستدل بتلك الأرقام على راقم وبتلك النقوش على ناقش وعند ذلك عرف أن النقاش بخلاف النقش والباني بخلاف البناء فانفتح له من أعلى سماء عالم المحدثات روازن إلى أضواء لوائح عالم القدم وطالع عالم القدم الأزلية والجلال وكان العقل إنما نظر إلى أضواء عالم الأزلية من ظلمات عالم الحدوث والإمكان فغلبته دهشة أنوار الأزلية فعميت عيناه فبقي متحيرًا فالتجأ بطبعه إلى مفيض الأنوار فقال رَبّ اشْرَحْ لِى صَدْرِى فإن البحار عميقة والظلمات متكاثفة وفي الطريق قطاع من الأعداء الداخلة والخارجة وشياطين الإنس والجن كثيرة فإن لم تشرح لي صدري ولم تكن لي عونًا في كل الأمور انقطعت وصارت هذه الخلع سببًا لنيل الآفات لا للفوز بالدرجات فهذا هو المراد من قوله رَبّ اشْرَحْ لِى صَدْرِى ثم قال وَيَسّرْ لِى أَمْرِى وذلك لأن كل ما يصدر من العبد من الأفعال والأقوال والحركات والسكنات فما لم يصر العبد مريدًا له استحال أن يصير فاعلًا له فهذه الإرادة صفة محدثة ولا بد لها من فاعل وفاعلها إن كان هو العبد افتقر في تحصيل تلك الإرادة إلى إرادة أخرى ولزم التسلسل بل لا بد من الانتهاء إلى إرادة يخلقها مدبر العالم فيكون في الحقيقة هو الميسر للأمور وهو المتمم لجميع الأشياء وتمام التحقيق أن حدوث الصفة لا بد له من قابل وفاعل فعبر عن استعداد القابل بقوله رَبّ اشْرَحْ لِى صَدْرِى وعبر عن حصول الفاعل بقوله وَيَسّرْ لِى أَمْرِى وفيه التنبيه على أنه سبحانه وتعالى هو الذي يعطي القابل قابليته والفاعل فاعليته ولهذا كان السلف رضي الله عنهم يقولون يا مبتدئًا بالنعم قبل استحقاقها ومجموع هذين الكلامين كالبرهان القاطع على أن جميع الحوادث في هذا العالم واقعة بقضائه وقدره وحكمته وقدرته ويمكن أن يقال أيضًا كأن موسى عليه السلام قال إلهي لا أكتفي بشرح الصدر ولكن أطلب منك تنفيذ الأمر وتحصيل الغرض فلهذا قال وَيَسّرْ لِى أَمْرِى أو يقال إنه سبحانه وتعالى لما أعطاه الخلع الأربع وهي الوجود والحياة والقدرة والعقل فكأنه قال له يا موسى أعطيتك هذه الخلع الأربع فلا بد في مقابلتها من خدمات أربع لتقابل كل نعمة بخدمة فقال موسى عليه السلام ما تلك الخدمات فقال وأقم الصلاة لذكري فإن فيها أنواعًا أربعة من الخدمة القيام والقراءة والركوع والسجود فإذا أتيت بالصلاة فقد قابلت كل نعمة بخدمة ثم إنه تعالى لما أعطاه الخلعة الخامسة وهي خلعة الرسالة قال رَبّ اشْرَحْ لِى صَدْرِى حتى أعرف أني بأي خدمة أقابل هذه النعمة فقيل له بأن تجتهد في أداء هذه الرسالة على الوجه المطلوب فقال موسى يا رب إن هذا لا يتأتى مني مع عجزي وضعفي وقلة آلاتي وقوة خصمي فاشرح لي صدري ويسر لي أمري

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت