فهرس الكتاب

الصفحة 412 من 6606

إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ( طه 46 ) ورابعها اعلم أنه لا اطلاع لأحد على أسرار حكمة الله تعالى فالملائكة وقع نظرهم على الفساد والقتل فاستحقروا البشر ووقع نظرهم على طاعة إبليس فاستعظموه أما علام الغيوب فإنه كان عالمًا بأنهم وإن أتوا بالفساد والقتل لكنهم سيأتون بعده بقولهم رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا ( الأعراف 23 ) وأن إبليس وإن أتى بالطاعات لكنه سيأتي بعدها بقوله أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ ومن شأن العقل أن لا يعتمد على ما يراه وأن يكون أبدًا في الخوف والوجل فقوله تعالى إِنِي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ معناه أن الذي أعرف الظاهر والباطن والواقع والمتوقع وأعلم أنه ما ترونه عابدًا مطيعًا سيكفر ويبعد عن حضرتي ومن ترونه فاسقًا بعيدًا سيقرب من خدمتي فالخلق لا يمكنهم أن يخرجوا عن حجاب الجهل ولا يتيسر لهم أن يخرقوا أستار العجز فإنهم لا يحيطون بشيء من علمه ثم إنه سبحانه حقق من علم الغيب وعجز الملائكة أن أظهر من البشر كمال العبودية ومن أشد ساكني السموات عبادة كمال الكفر لئلا يغتر أحد بعمله ويفوضوا معرفة الأشياء إلى حكمة الخالق ويزيلوا الاعتراض بالقلب واللسان عن مصنوعاته ومبدعاته

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَة ِ اسْجُدُواْ لاًّدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ

اعلم أن هذا هو النعمة الرابعة من النعم العامة على جميع البشر وهو أنه سبحانه وتعالى جعل أبانا مسجود الملائكة وذلك لأنه تعالى ذكر تخصيص آدم بالخلافة أولًا ثم تخصيصه بالعلم الكثير ثانيًا ثم بلوغه في العلم إلى أن صارت الملائكة عاجزين عن بلوغ درجته في العلم وذكر الآن كونه مسجودًا للملائكة وههنا مسائل

المسألة الأولى الأمر بالسجود حصل قبل أن يسوي الله تعالى خلقة آدم عليه السلام بدليل قوله إِنّى خَالِقٌ بَشَرًا مّن طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ ( ص 71 72 ) وظاهر هذه الآية يدل على أنه عليه السلام لما صار حيًا صار مسجود الملائكة لأن الفاء في قوله فَقَعُواْ للتعقيب وعلى هذا التقدير يكون تعليم الأسماء ومناظرته مع الملائكة في ذلك حصل بعد أن صار مسجود الملائكة

المسألة الثانية أجمع المسلمون على أن ذلك السجود ليس سجود عبادة لأن سجود العبادة لغير الله كفر والأمر لا يرد بالكفر ثم اختلفوا بعد ذلك على ثلاثة أقوال الأول أن ذلك السجود كان لله تعالى وآدم عليه السلام كان كالقبلة ومن الناس من طعن في هذا القول من وجهين الأول أنه لا يقال صليت للقبلة بل يقال صليت إلى القبلة فلو كان آدم عليه السلام قبلة لذلك السجود لوجب أن يقال اسجدوا إلى آدم فلما لم يرد الأمر هكذا بل قيل اسجدوا لآدم علمنا أن آدم عليه السلام لم يكن قبلة الثاني أن إبليس قال أرأيتك هذا الذي كرمت على أي أن كونه مسجودًا يدل على أنه أعظم حالًا من الساجد ولو كان قبلة لما حصلت هذه الدرجة بدليل أن محمدًا عليه الصلاة والسلام كان يصلي إلى الكعبة ولم يلزم أن تكون الكعبة أفضل من محمد ( صلى الله عليه وسلم ) والجواب عن الأول أنه كما لا يجوز أن يقال صليت إلى القبلة جاز أن يقال صليت للقبلة والدليل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت