فهرس الكتاب

الصفحة 4125 من 6606

أحدها قوله عليه السلام ( الصمت حكمة وقليل فاعله ) ويروى أن الإنسان تفكر أعضاؤه اللسان ويقلن اتق الله فينا فإنك إن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا وثانيها أن الكلام على أربعة أقسام منه ما ضرره خالص أو راجح ومنه ما يستوي الضرر والنفع فيه ومنه ما نفعه راجح ومنه ما هو خالص النفع أما الذي ضرره خالص أو راجح فواجب الترك والذي يستوي الأمران فيه فهو عيب فبقي القسمان الأخيران وتخليصهما عن زيادة الضرر عسر فالأولى ترك الكلام وثالثها أن ما من موجود أو معدوم خالق أو مخلوق معلوم أو موهوم إلا واللسان يتناوله ويتعرض له بإثبات أو نفي فإن كل ما يتناوله الضمير يعبر عنه اللسان بحق أو باطل وهذه خاصية لا توجد في سائر الأعضاء فإن العين لا تصل إلى غير الألوان والصور والآذان لا تصل إلا إلى الأصوات والحروف واليد لا تصل إلى غير الأجسام وكذا سائر الأعضاء بخلاف اللسان فإنه رحب الميدان ليس له نهاية ولا حد فله في الخير مجال رحب وله في الشر بحر سحب وإنه خفيف المؤنة سهل التحصيل بخلاف سائر المعاصي فإنه يحتاج فيها إلى مؤن كثيرة لا يتيسر تحصيلها في الأكثر فلذلك كان الأولى ترك الكلام ورابعها قالوا ترك الكلام له أربعة أسماء الصمت والسكوت والإنصات والإصاخة فأما الصمت فهو أعمها لأنه يستعمل فيما يقوى على النطق وفيما لا يقوى عليه ولهذا يقال مال ناطق وصامت وأما السكوت فهو ترك الكلام ممن يقدر على الكلام والانصات سكوت مع استماع ومتى انفك أحدهما عن الآخر لا يقال له إنصات قال تعالى فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ ( الأعراف 204 ) والإصاخة استماع إلى ما يصعب إدراكه كالسر والصوت من المكان البعيد واعلم أن الصمت عدم ولا فضيلة فيه بل النطق في نفسه فضيلة والرذيلة في محاورته ولولاه لما سأل كليم الله ذلك في قوله تعالى وَاحْلُلْ عُقْدَة ً مّن لّسَانِى

المسألة الثانية اختلفوا في تلك العقدة التي كانت في لسان موسى عليه السلام على قولين الأول كان ذلك التعقد خلقة الله تعالى فسأل الله تعالى إزالته الثاني السبب فيه أنه عليه السلام حال صباه أخذ لحية فرعون ونتفها فهم فرعون بقتله وقال هذا هو الذي يزول ملكي على يده فقالت آسية إنه صبي لا يعقل وعلامته أن تقرب منه التمرة والجمرة فقربا إليه فأخذ الجمرة فجعلها في فيه وهؤلاء اختلفوا فمنهم من قال لم تحترق اليد ولا اللسان لأن اليد آلة أخذ العصا وهي الحجة واللسان آلة الذكر فكيف يحترق ولأن إبراهيم عليه السلام لم يحترق بنار نمروذ وموسى عليه السلام لم يحترق حين ألقى في التنور فكيف يحترق هنا ومنهم من قال احترقت اليد دون اللسان لئلا يحصل حق المواكلة والممالحة الثالث احترق اللسان دون اليد لأن الصولة ظهرت باليد أما اللسان فقد خاطبه بقوله يا أبت والرابع احترقا معًا لئلا تحصل المواكلة والمخاطبة

المسألة الثالثة اختلفوا في أنه عليه السلام لم طلب حل تلك العقدة على وجوه أحدها لئلا يقع في أداء الرسالة خلل ألبتة وثانيها لإزالة التنفير لأن العقدة في اللسان قد تفضي إلى الإستخفاف بقائلها وعدم الالتفات إليه وثالثها إظهارًا للمعجزة فكما أن حبس لسان زكريا عليه السلام عن الكلام كان معجزًا في حقه فكذا إطلاق لسان موسى عليه السلام معجز في حقه ورابعها طلب السهولة لأن إيراد مثل هذا الكلام على مثل فرعون في جبروته وكبره عسر جدًا فإذا انضم إليه تعقد اللسان بلغ العسر إلى النهاية فسأل ربه إزالة تلك العقدة تخفيفًا وتسهيلًا

المسألة الرابعة قال الحسن رحمه الله إن تلك العقدة زالت بالكلية بدليل قوله تعالى قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يامُوسَى مُوسَى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت