فهرس الكتاب

الصفحة 4176 من 6606

اعلم أن الطاعنين في عصمة الأنبياء عليهم السلام يتمسكون بهذه الآية من وجوه أحدها أن موسى عليه السلام إما أن يكون قد أمر هرون باتباعه أو لم يأمره فإن أمره به فإما أن يكون هرون قد اتبعه أو لم يتبعه فإن اتبعه كانت ملامة موسى لهارون معصية وذنبًا لأن ملامة غير المجرم معصية وإن لم يتبعه كان هارون تاركًا للواجب فكان فاعلًا للمعصية وأما إن قلنا إن موسى عليه السلام ما أمره باتباعه كانت ملامته إياه بترك الاتباع معصية فثبت أن على جميع التقديرات يلزم إسناد المعصية إما إلى موسى أو إلى هرون وثانيها قول موسى عليه السلام أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى استفهام على سبيل الإنكار فوجب أن يكون هارون قد عصاه وأن يكون ذلك العصيان منكرًا وإلا لكان موسى عليه السلام كاذبًا وهو معصية فإذا فعل هارون ذلك فقد فعل المعصية وثالثها قوله أَمْرِى قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلاَ بِرَأْسِى وهذا معصية لأن هارون عليه السلام قد فعل ما قدر عليه من النصيحة والوعظ والزجر فإن كان موسى عليه السلام قد بحث عن الواقعة وبعد أن علم أن هرون قد فعل ما قدر عليه كان الأخذ برأسه ولحيته معصية وإن فعل ذلك قبل تعرف الحال كان ذلك أيضًا معصية ورابعها إن هارون عليه السلام قال لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلاَ بِرَأْسِى فإن كان الأخذ بلحيته وبرأسه جائزًا كان قول هارون لا تأخذ منعًا له عما كان له أن يفعله فيكون ذلك معصية وإن لم يكن ذلك الأخذ جائزًا كان موسى عليه السلام فاعلًا للمعصية فهذه أمثلة لطيفة في هذا الباب والجواب عن الكل أنا بينا في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا ( البقرة 36 ) أنواعًا من الدلائل الجلية في أنه لا يجوز صدور المعصية من الأنبياء وحاصل هذه الوجوه تمسك بظواهر قابلة للتأويل ومعارضة ما يبعد عن التأويل بما يتسارع إليه التأويل غير جائز إذا ثبتت هذه المقدمة فاعلم أن لنا في الجواب عن هذه الإشكالات وجوهًا أحدها أنا وإن اختلفنا في جواز المعصية على الأنبياء لكن اتفقنا على جواز ترك الأولى عليهم وإن كان كذلك فالفعل الذي يفعله أحدهما ويمنعه الآخر أعني بهما موسى وهارون عليهما السلام لعله كان أحدهما أولى والآخر كان ترك الأولى فلذلك فعَله أحدهما وتركه الآخر فإن قيل هذا التأويل غير جائز لأن كل واحد منهما كان جازمًا فيما يأتي به فعلًا كان أو تركًا وفعل المندوب وتركه لا يجزم به قلنا تقييد المطلق بالدليل غير ممتنع فنحن نحمل ذلك الجزم في الفعل والترك على أن المراد افعل ذلك أو اتركه إن كنت تريد الأصلح وقد يترك ذلك الشرط إذا كان تواطؤهما على رعايته معلومًا متقررًا وثانيها أن موسى عليه السلام أقبل وهو غضبان على قومه فأخذ برأس أخيه وجره إليه كما يفعل الإنسان بنفسه مثل ذلك عند الغضب فإن الغضبان المتفكر قد يعض على شفتيه ويفتل أصابعه ويقبض لحيته فأجرى موسى عليه السلام أخاه هرون

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت