فهرس الكتاب

الصفحة 4217 من 6606

على نكتة خاصة بعبدة الأصنام وهي أنه كيف يجوز للعاقل أن يجعل الجماد الذي لا يعقل ولا يحس شريكًا في الإلهية لخالق العرش العظيم وموجد السموات والأرضين ومدبر الخلائق من النور والظلمة واللوح والقلم والذات والصفات والجماد والنبات وأنواع الحيوانات أجمعين

أما قوله تعالى لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ فاعلم أنه مشتمل على بحثين أحدهما أن الله تعالى لا يسأل عن شيء من أفعاله ولا يقال له لم فعلت والثاني أن الخلائق مسؤولون عن أفعالهم أما البحث الأول ففيه مسألتان

المسألة الأولى وجه تعلق هذه الآية بما قبلها أن عمدة من أثبت لله شريكًا ليست إلا طلب اللمية في أفعال الله تعالى وذلك لأن الثنوية والمجوس وهم الذين أثبتوا الشريك لله تعالى قالوا رأينا في العالم خيرًا وشرًا ولذة وألمًا وحياة وموتًا وصحة وسقمًا وغنى وفقرًا وفاعل الخير خير وفاعل الشر شرير ويستحيل أن يكون الفاعل الواحد خيرًا وشريرًا معًا فلا بد من فاعلين ليكون أحدهما فاعلًا للخير والآخر فاعلًا للشر ويرجع حاصل هذه الشبهة إلى أن مدبر العالم لو كان واحدًا لما خص هذا بالحياة والصحة والغنى وخص ذلك بالموت والألم والفقر فيرجع حاصله إلى طلب اللمية في أفعال الله تعالى فلما كان مدار أمر القائلين بالشريك على طلب اللمية لا جرم أنه سبحانه وتعالى بعد أن ذكر الدليل على التوحيد ذكر ما هو النكتة الأصلية في الجواب عن شبهة القائلين بالشريك لأن الترتيب الجيد في المناظرة أن يقع الإبتداء بذكر الدليل المثبت للمطلوب ثم يذكر بعده ما هو الجواب عن شبهة الخصم

المسألة الثانية في الدلالة على أنه سبحانه لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ أما أهل السنة فإنهم استدلوا عليه بوجوه أحدها أنه لو كان كل شيء معللًا بعلة لكانت علية تلك العلة معللة بعلة أخرى ويلزم التسلسل فلا بد في قطع التسلسل من الإنتهاء إلى ما يكون غنيًا عن العلة وأولى الأشياء بذلك ذات الله تعالى وصفاته وكما أن ذاته منزهة عن الإفتقار إلى المؤثر والعلة وصفاته مبرأة عن الافتقار إلى المبدع والمخصص فكذا فاعليته يجب أن تكون مقدسة عن الإستناد إلى الموجب والمؤثر وثانيها أن فاعليته لو كانت معللة بعلة لكانت تلك العلة إما أن تكون واجبة أو ممكنة فإن كانت واجبة لزم من وجوبها وجوب كونه فاعلًا وحينئذ يكون موجبًا بالذات لا فاعلًا بالاختيار وإن كانت ممكنة كانت تلك العلة فعلًا لله تعالى أيضًا فتفتقر فاعليته لتلك العلة إلى علة أخرى ولزم التسلسل وهو محال وثالثها أن علة فاعلية الله تعالى للعالم إن كانت قديمة لزم أن تكون فاعليته للعالم قديمة فيلزم قدم العالم وإن كانت محدثة افتقر إلى علة أخرى ولزم التسلسل ورابعها أن من فعل فعلًا لغرض فإما أن يكون متمكنًا من تحصل ذلك الغرض بدون تلك الواسطة أو لا يكون متمكنًا منه فإن كان متمكنًا منه كان توسط تلك الواسطة عبثًا وإن لم يكن متمكنًا منه كان عاجزًا والعجز على الله تعالى محال أما العجز علينا فغير ممتنع فلذلك كانت أفعالنا معللة بالأغراض وكل ذلك في حق الله تعالى محال وخامسها أنه لو كان فعله معللًا بغرض لكان ذلك الغرض إما أن يكون عائدًا إلى الله تعالى أو إلى العباد والأول محال لأنه منزه عن النفع والضر وإذا بطل ذلك تعين أن الغرض لا بد وأن يكون عائدًا إلى العباد ولا غرض للعباد إلا حصول اللذات وعدم حصول الآلام والله تعالى قادر على تحصيلها ابتداء من غير شيء من الوسائط وإذا كان كذلك استحال أن يفعل شيئًا لأجل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت