فهرس الكتاب

الصفحة 4264 من 6606

من قبل نفسه فإن قيل أفلا يجوز أنه تعالى تعبده بأن لا يسأل الكشف إلا في آخر أمره قلنا يجوز ذلك بأن يعلمه بأن إنزال ذلك به مدة مخصوصة من مصالحه ومصالح غيره لا محالة فعلم عليه السلام أنه لا وجه للمسألة في هذا الأمر الخاص فإذا قرب الوقت جاز أن يسأل ذلك من حيث يجوز أن يدوم ويجوز أن ينقطع وثالثها قالوا انتهاء ذلك المرض إلى حد التنفير عنه غير جائز لأن الأمراض المنفرة من القبول غير جائزة على الأنبياء عليهم السلام فهذا جملة ما قيل في هذه الحكاية

المسألة الثالثة قال صاحب ( الكشاف ) قوله تعالى أَنّى مَسَّنِى َ الضُّرُّ أي ناداه بأني مسني الضر وقرىء إني بالكسر على إضمار القول أو لتضمين النداء معناه والضر بالفتح الضرر في كل شيء وبالضم الضرر في النفس من مرض وهزال

المسألة الرابعة أنه عليه السلام ألطف في السؤال حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة وذكر ربه بغاية الرحمة ولم يصرح بالمطلوب فإن قيل أليس أن الشكوى تقدح في كونه صابرًا والجواب قال سفيان بن عيينة رحمه الله من شكا إلى الله تعالى فإنه لا يعد ذلك جزعًا إذا كان في شكواه راضيًا بقضاء الله إذ ليس من شرط الصبر استحلاء البلاء ألم تسمع قول يعقوب عليه السلام إِنَّمَا أَشْكُو بَثّى وَحُزْنِى إِلَى اللَّهِ ( يوسف 86 ) أما قوله وَأَنتَ أَرْحَمُ الرحِمِينَ فالدليل على أنه سبحانه أَرْحَمُ الرحِمِينَ أمور أحدها أن كل من رحم غيره فأما أن يرحمه طلبًا للثناء في الدنيا أو الثواب في الآخرة أو دفعًا للرقة الجنسية عن الطبع وحينئذ يكون مطلوب ذلك الراحم منفعة نفسه أما الحق سبحانه فإنه يرحم عباده من غير وجه من هذه الوجوه ومن غير أن يعود إليه من تلك الرحمة زيادة ولا نقصان من الثناء ومن صفات الكمال فكان سبحانه أرحم الراحمين وثانيها أن كل من يرحم غيره فلا يكون ذلك إلا بمعونة رحمة الله تعالى لأن من أعطى غيره طعامًا أو ثوبًا أو دفع عنه بلاء فلولا أنه سبحانه خلق المطعوم والملبوس والأدوية والأغذية وإلا لما قدر أحد على إعطاء ذلك الشيء ثم بعد وصول تلك العطية إليه فلولا أنه سبحانه جعله سببًا للراحة لما حصل النفع بذلك فإذًا رحمة العباد مسبوقة برحمة الله تعالى وملحوقة برحمته بل رحمتهم فيما بين الطرفين كالقطرة في البحر فوجب أن يكون تعالى هو أرحم الراحمين وثالثها أن الله تعالى لو لم يخلق في قلب العبد تلك الدواعي والإرادات لاستحال صدور ذلك الفعل عنه فكان الراحم هو الحق سبحانه من حيث إنه هو الذي أنشأ تلك الداعية فثبت أنه أرحم الراحمين فإن قيل كيف يكون أرحم الراحمين مع أنه سبحانه ملأ الدنيا من الآفات والأسقام والأمراض والآلام وسلط البعض على البعض بالذبح والكسر والإيذاء وكان قادرًا على أن يغني كل واحد عن إيلام الآخر وإيذائه والجواب أن كونه سبحانه ضارًا لا ينافي كونه نافعًا بل هو الضار النافع فإضراره ليس لدفع مشقة وإنفاعه ليس لجلب منفعة بل لا يسأل عما يفعل

أما قوله تعالى فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فإنه يدل على أنه دعا ربه لكن هذا الدعاء قد يجوز أن يكون واقعًا منه على سبيل التعريض كما يقال إن رأيت أو أردت أو أحببت فافعل كذا ويجوز أن يكون على سبيل التصريح وإن كان الأليق بالأدب وبدلالة الآية هو الأول ثم إنه سبحانه بين أن كشف ما به من ضر وذلك يقتضي إعادته إلى ما كان في بدنه وأحواله وبين الله تعالى أنه آتاه أهله ويدخل فيه من ينسب إليه من زوجة وولد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت