فهرس الكتاب

الصفحة 4282 من 6606

أما قوله تعالى أَنَّ الاْرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِى َ الصَّالِحُونَ ففيه وجوه أحدها الأرض أرض الجنة والعباد الصالحون هم المؤمنون العاملون بطاعة الله تعالى فالمعنى أن الله تعالى كتب في كتب الأنبياء عليهم السلام وفي اللوح المحفوظ أنه سيورث الجنة من كان صالحًا من عباده وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والسدي وأبي العالية وهؤلاء أكدوا هذا القول بأمور أما أولًا فقوله تعالى وَأَوْرَثَنَا الاْرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّة ِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ( الزمر 74 ) وأما ثانيًا فلأنها الأرض التي يختص بها الصالحون لأنها لهم خلقت وغيرهم إذا حصل معهم في الجنة فعلى وجه التبع فأما أرض الدنيا فلأنها للصالح وغير الصالح وأما ثالثًا فلأن هذه الأرض مذكورة عقيب الإعادة وبعد الإعادة الأرض التي هذا وصفها لا تكون إلا الجنة وأما رابعًا فقد روى في الخبر أنها أرض الجنة فإنها بيضاء نقية وثانيها أن المراد من الأرض أرض الدنيا فإنه سبحانه وتعالى سيورثها المؤمنين في الدنيا وهو قول الكلبي وابن عباس في بعض الروايات ودليل هذا القول قوله سبحانه وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءامَنُواْ إلى قوله لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى الاْرْضِ ( النور 55 ) وقوله تعالى قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُواْ بِاللَّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الارْضَ للَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ ( الأعراف 128 ) وثالثها هي الأرض المقدسة يرثها الصالحون ودليله قوله تعالى وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الاْرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا ( الأعراف 137 ) ثم بالآخرة يورثها أمة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) عند نزول عيسى ابن مريم عليه السلام

أما قوله تعالى إِنَّ فِى هَاذَا لَبَلَاغًا لّقَوْمٍ عَابِدِينَ فقوله هذا إشارة إلى المذكور في هذه السورة من الأخبار والوعد والوعيد والمواعظ البالغة والبلاغ الكفاية وما تبلغ به البغية وقيل في العابدين إنهم العالمون وقيل بل العاملون والأولى أنهم الجامعون بين الأمرين لأن العلم كالشجر والعمل كالثمر والشجر بدون الثمر غير مفيد والثمر بدون الشجر غير كائن

أما قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَة ً لّلْعَالَمِينَ ففيه مسائل

المسألة الأولى أنه عليه السلام كان رحمة في الدين وفي الدنيا أما في الدين فلأنه عليه السلام بعث والناس في جاهلية وضلالة وأهل الكتابين كانوا في حيرة من أمر دينهم لطول مكثهم وانقطاع تواترهم ووقوع الاختلاف في كتبهم فبعث الله تعالى محمدًا ( صلى الله عليه وسلم ) حين لم يكن لطالب الحق سبيل إلى الفوز والثواب فدعاهم إلى الحق وبين لهم سبيل الثواب وشرع لهم الأحكام وميز الحلال من الحرام ثم إنما ينتفع بهذه الرحمة من كانت همته طلب الحق فلا يركن إلى التقليد ولا إلى العناد والإستكبار وكان التوفيق قرينًا له قال الله تعالى قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ هُدًى وَشِفَاء إلى قوله وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ( فصلت 44 ) وأما في الدنيا فلأنهم تخلصوا بسببه من كثير من الذل والقتال والحروب ونصروا ببركة دينه فإن قيل كيف كان رحمة وقد جاء بالسيف واستباحة الأموال قلنا الجواب من وجوه أحدها إنما جاء بالسيف لمن استكبر وعاند ولم يتفكر ولم يتدبر ومن أوصاف الله الرحمن الرحيم ثم هو منتقم من العصاة وقال وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء مُّبَارَكًا ( ق 9 ) ثم قد يكون سببًا للفساد وثانيها أن كل نبي قبل نبينا كان إذا كذبه قومه أهلك الله المكذبين بالخسف والمسخ والغرق وأنه تعالى أخر عذاب من كذب رسولنا إلى الموت أو إلى القيامة قال تعالى وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ( الأنفال 33 ) لا يقال أليس أنه تعالى قال قَاتِلُوهُمْ يُعَذّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت