فهرس الكتاب

الصفحة 449 من 6606

النسيان لأنا نقول أما الجواب عن الأول فهو أنا لا نسلم أن آدم وحواء قبلا من إبليس ذلك الكلام ولا صدقاه فيه لأنهما لو صدقاه لكانت معصيتهما في هذا التصديق أعظم من أكل الشجرة لأن إبليس لما قال لهما مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَاذِهِ الشَّجَرَة ِ إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ فقد ألقى إليهما سوء الظن بالله ودعاهما إلى ترك التسليم لأمره والرضا بحكمه وإلى أن يعتقدا فيه كون إبليس ناصحًا لهما وأن الرب تعالى قد غشهما ولا شك أن هذه الأشياء أعظم من أكل الشجرة فوجب أن تكون المعاتبة في ذلك أشد وأيضًا كان آدم عليه السلام عالمًا بتمرد إبليس عن السجود وكونه مبغضًا له وحاسدًا له على ما آتاه الله من النعم فكيف يجوز من العاقل أن يقبل قول عدوه مع هذه القرائن وليس في الآية أنهما أقدما على ذلك الفعل عند ذلك الكلام أو بعده ويدل على أن آدم كان عالمًا بعداوته لقوله تعالى إِنَّ هَاذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّة ِ فَتَشْقَى ( طه 117 ) وأما ما روي عن ابن عباس فهو أثر مروي بالآحاد فكيف يعارض القرآن وأما الجواب عن الثاني فهو أن العتاب إنما حصل على ترك التحفظ من أسباب النسيان وهذا الضرب من السهو موضوع عن المسلمين وقد كان يجوز أن يؤاخذوا به وليس بموضوع عن الأنبياء لعظم خطرهم ومثلوه بقوله تعالى كَرِيمًا يانِسَاء النَّبِى ّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مّنَ النّسَاء ( الأحزاب 32 ) ثم قال مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَة ٍ مُّبَيّنَة ٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ( الأحزاب 30 ) وقال عليه الصلاة والسلام ( أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل ) وقال أيضًا ( إني أوعك كما يوعك الرجلان منكم ) فإن قيل كيف يجوز أن يؤثر عظم حالهم وعلو منزلتهم في حصول شرط في تكليفهم دون تكليف غيرهم قلنا أما سمعت ( حسنات الأبرار سيئات المقربين ) ولقد كان على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) من التشديدات في التكليف ما لم يكن على غيره فهذا في تقرير أنه صدر ذلك عن آدم عليه السلام على جهة السهو والنسيان ورأيت في بعض التفاسير أن حواء سقته الخمر حتى سكر ثم في أثناء السكر فعل ذلك قالوا وهذا ليس ببعيد لأنه عليه السلام كان مأذونًا له في تناول كل الأشياء سوى تلك الشجرة فإذا حملنا الشجرة على البر كان مأذونًا في تناول الخمر ولقائل أن يقول إن خمر الجنة لا يسكر لقوله تعالى في صفة خمر الجنة لاَ فِيهَا غَوْلٌ ( الصافات 47 ) أما القول الثاني وهو أنه عليه السلام فعله عامدًا فههنا أربعة أقوال أحدها أن ذلك النهي كان نهي تنزيه لا نهي تحريم وقد تقدم الكلام في هذا القول وعلته الثاني أنه كان ذلك عمدًا من آدم عليه السلام وكان ذلك كبيرة مع أن آدم عليه السلام كان في ذلك الوقت نبيًا وقد عرفت فساد هذا القول الثالث أنه عليه السلام فعله عمدًا لكن كان معه من الوجل والفزع والأشفاق ما صير ذلك في حكم الصغيرة وهذا القول أيضًا باطل بالدلائل المتقدمة لأن المقدم على ترك الواجب أو فعل المنهي عمدًا وإن فعله مع الخوف إلا أنه يكون مع ذلك عاصيًا مستحقًا للعن والذم والخلود في النار ولا يصح وصف الأنبياء عليهم السلام بذلك ولأنه تعالى وصفه بالنسيان في قوله فَنَسِى َ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ( طه 115 ) وذلك ينافي العمدية القول الرابع وهو اختيار أكثر المعتزلة أنه عليه السلام أقدم على الأكل بسبب اجتهاد أخطأ فيه وذلك لا يقتضي كون الذنب كبيرة بيان الاجتهاد الخطأ أنه لما قيل له وَلاَ تَقْرَبَا هَاذِهِ الشَّجَرَة َ فلفظ هَاذِهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت