فهرس الكتاب

الصفحة 457 من 6606

قيل لم لا يجوز أن يقال تلك المقدمات وإن كانت حاضرة في الذهن إلا أن كيفية التوصل بها إلى تلك النتيجة غير حاضرة في الذهن فلا جرم لا يلزم من العلم بتلك المقدمات العلم بتلك النتيجة لا محالة قلنا العلم بكيفية التوصل بها إلى تلك النتيجة إما أن يكون من البديهيات أو من الكسبيات فإن كان من البديهيات لم يكن في وسعه وإن كان من الكسبيات كان القول في كيفية اكتسابه كما في الأول فإما أن يفضي إلى التسلسل وهو محال أو يفضي إلى أن يصير من لوازمه فيعود المحذور المذكور والله أعلم

المسألة الخامسة سأل القاضي عبد الجبار نفسه فقال إذا كانت هذه المعصية صغيرة فكيف تلزم التوبة وأجاب بأن أبا علي قال إنها تلزمه لأن المكلف متى علم أنه قد عصى لم يحد فيما بعد وهو مختار ولا مانع من أن يكون نادمًا أو مصرًا لكن الإصرار قبيح فلا تتم مفارقته لهذا القبيح إلا بالتوبة فهي إذن لازمة سواء كانت المعصية صغيرة أو كبيرة وسواء ذكرها وقد تاب عنها من قبل أو لم يتب أما أبو هاشم فإنه يجوز أن يخلو العاصي من التوبة والإصرار ويقول لا يصح أن تكون التوبة واجبة على الأنبياء لهذا الوجه بل يجب أن تكون واجبة لإحدى خلال فإما أن تجب لأن بالصغيرة قد نقص ثوابهم فيعود ذلك النقصان بالتوبة وإما لأن التوبة نازلة منزلة الترك فإذا كان الترك واجبًا عند الإمكان فلا بد من وجوب التوبة مع عدم الإمكان وربما قال تجب التوبة عليهم من جهة السمع وهذا هو الأصح على قوله لأن التوبة لا يجوز أن تجب لعود الثواب الذي هو المنافع فقط لأن الفعل لا يجوز أن يجب لأجل جلب المنافع كما لا تجب النوافل بل الأنبياء عليهم السلام لما عصمهم الله تعالى صار أحد أسباب عصمتهم التشديد عليهم في التوبة حالًا بعد حال وإن كانت معاصيهم صغيرة

المسألة السادسة قال القفال أصل التوبة الرجوع كالأوبة يقال توب كما يقال أوب قال الله تعالى وَقَابِلِ التَّوْبِ فقولهم تاب يتوب توبًا وتوبة ومتابًا فهو تائب وتواب كقولهم آب يؤوب أوبًا وأوبة فهو آيب وأواب والتوبة لفظة يشترك فيها الرب والعبد فإذا وصف بها العبد فالمعنى رجع إلى ربه لأن كل عاصٍ فهو في معنى الهارب من ربه فإذا تاب فقد رجع عن هربه إلى ربه فيقال تاب إلى ربه والرب في هذه الحالة كالمعرض عن عبده وإذا وصف بها الرب تعالى فالمعنى أنه رجع على عبده برحمته وفضله ولهذا السبب وقع الاختلاف في الصلة فقيل في العبد تاب إلى ربه وفي الرب على عبده وقد يفارق الرجل خدمة رئيس فيقطع الرئيس معروفه عنده ثم يراجع خدمته فيقال فلان عاد إلى الأمير والأمير عاد عليه بإحسانه ومعروفه إذا عرفت هذا فنقول قبول التوبة يكون بوجهين أحدهما أن يثيب عليها الثواب العظيم كما أن قبول الطاعة يراد به ذلك والثاني أنه تعالى يغفر ذنوبه بسبب التوبة

المسألة السابعة المراد من وصف الله تعالى بالتواب المبالغة في قبول التوبة وذلك من وجهين الأول أن واحدًا من ملوك الدنيا متى جنى عليه إنسان ثم اعتذر إليه فإنه يقبل الاعتذار ثم إذا عاد إلى الجناية وإلى الاعتذار مرة أخرى فإنه لا يقبله لأن طبعه يمنعه من قبول العذر أما الله سبحانه وتعالى فإنه بخلاف

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت