فهرس الكتاب

الصفحة 4621 من 6606

في القلب ثم هناك أحوال لا يعبر عنها المقال ولا يشرحها الخيال ومن أراد أن يصل إليها فليكن من الواصلين إلى العين دون السامعين للأثر

المطلوب الثاني قوله وَاجْعَل لّى لِسَانَ صِدْقٍ فِى الاْخِرِينَ وفيه ثلاث تأويلات

التأويل الأول أنه عليه السلام ابتدأ بطلب ما هو الكمال الذاتي للإنسان في الدنيا والآخرة وهو طلب الحكم الذي هو العلم ثم طلب بعده كمالات الدنيا وبعد ذلك طلب كمالات الآخرة فأما كمالات الدنيا فبعضها داخلية وبعضها خارجية أما الداخلية فهي الخلق الظاهر والحلق الباطن والحلق الظاهر أشد جسمانية والخلق الباطن أشد روحانية فترك إبراهيم عليه السلام الأمر الجسماني وهو الخلق الظاهر وطلب الأمر الروحاني وهو الخلق الباطن وهو المراد بقوله وَأَلْحِقْنِى بِالصَّالِحِينَ وأما الخارجية فهي المال والجاه والمال أشد جسمانية والجاه أشد روحانية فترك إبراهيم عليه السلام الأمر الجسماني وهو المال وطلب الأمر الروحاني وهو الجاه والذكر الجميل الباقي على وجه الدهر وهو المراد بقوله وَاجْعَل لّى لِسَانَ صِدْقٍ فِى الاْخِرِينَ قال ابن عباس رضي الله عنهما وقد أعطاه ذلك بقوله وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى الاْخِرِينَ فإن قيل وأي غرض له في أن يثني عليه ويمدح جوابه من وجهين الأول وهو على لسان الحكمة أن الأرواح البشرية قد بينا أنها مؤثرة في الجملة إلا أن بعضها قد يكون ضعيفًا فيعجز عن التأثير فإذا اجتمعت طائفة منها فربما قوي مجموعها على ما عجزت الآحاد عنه وهذا المعنى مشاهد في المؤثرات الجسمانية إذا ثبت هذا فالإنسان الواحد إذا كان بحيث يثنى عليه الجمع العظيم ويمدحونه ويعظمونه فربما صار انصراف هممهم عند الاجتماع إليه سببًا لحصول زيادة كمال له الثاني وهو على لسان الكمال أن من صار ممدوحًا فيما بين الناس بسبب ما عنده من الفضائل فإنه يصير ذلك المدح وتلك الشهرة داعيًا لغيره إلى اكتساب مثل تلك الفضائل

التأويل الثاني أنه سأل ربه أن يجعل من ذريته في آخر الزمان من يكون داعيًا إلى الله تعالى وذلك هو محمد ( صلى الله عليه وسلم ) فالمراد من قوله وَاجْعَل لّى لِسَانَ صِدْقٍ فِى الاْخِرِينَ بعثة محمد ( صلى الله عليه وسلم )

التأويل الثالث قال بعضهم المراد اتفاق أهل الأديان على حبه ثم إن الله تعالى أعطاه ذلك لأنك لا ترى أهل دين إلا ويتوالون إبراهيم عليه السلام وقدح بعضهم فيه بأنه لا تقوى الرغبة في مدح الكافر وجوابه أنه ليس المقصود مدح الكافر من حيث هو كافر بل المقصود أن يكون ممدوح كل إنسان ومحبوب كل قلب

المطلوب الثالث قوله وَاجْعَلْنِى مِن وَرَثَة ِ جَنَّة ِ النَّعِيمِ اعلم أنه لما طلب سعادة الدنيا طلب بعدها سعادة الآخرة وهي جنة النعيم وشبهها بما يورث لأنه الذي يغتنم في الدنيا فشبه غنيمة الآخرة بغنيمة الدنيا

المطلوب الرابع قوله وَاغْفِرْ لاِبِى إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالّينَ واعلم أنه لما فرغ من طلب السعادات الدنيوية والأخروية لنفسه طلبها لأشد الناس التصاقًا به وهو أبوه فقال وَاغْفِرْ لاِبِى ثم فيه وجوه الأول أن المغفرة مشروطة بالإسلام وطلب المشروط متضمن لطلب الشرط فقوله وَاغْفِرْ لاِبِى يرجع حاصله إلى أنه دعاء لأبيه بالإسلام الثاني أن أباه وعده الإسلام كما قال تعالى وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْراهِيمَ لاِبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَة ٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت