فهرس الكتاب
فكأنه تعالى لما أمرهم بالصلاة والزكاة أمرهم بعد ذلك بالانقياد والخضوع وترك التمرد وحكى الأصم عن بعضهم أنه إنما أمر الله تعالى بني إسرائيل بالزكاة لأنهم كانوا لا يؤتون الزكاة وهو المراد بقوله تعالى وأكلهم السحت المائدة 62 وبقوله وأكلهم الربا وأكلهم أموال الناس بالباطل النساء 166 فأظهر الله تعالى في هذا الموضع ما كان مكتوما ليحذروا أن يفضحهم في سائر أسرارهم ومعاصيهم فيصير هذا كالإخبار عن الغيب الذي هو أحد دلائل نبوة محمد ( صلى الله عليه وسلم )
قوله تعالى
أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون
اعلم أن الهمزة في أتأمرون الناس بالبر للتقرير مع التقرير والتعجب من حالهم وأما البر فهو اسم جامع لأعمال الخير ومنه بر الوالدين وهو طاعتهما ومنه عمل مبرور أي قد رضيه الله تعالى وقد يكون بمعنى الصدق كما يقال بر في يمينه أي صدق ولم يحنث ويقال صدقت وبررت وقال تعالى ولكن البر من اتقى البقرة 189 فأخبر أن البر جامع للتقوى واعلم أنه سبحانه وتعالى لما أمر بالإيمان والشرائع بناء على ما خصهم به من النعم ورغبهم في ذلك بناه على مأخذ آخر وهو أن التغافل عن أعمال البر مع حث الناس عليها مستقبح في العقول إذ المقصود من أمر الناس بذلك إما النصيحة أو الشفقة وليس من العقل أن يشفق الإنسان على غيره أو أن ينصح غيره ويهمل نفسه فحذرهم الله تعالى من ذلك بأن قرعهم بهذا الكلام واختلفوا في المراد بالبر في هذا الموضع على وجوه
أحدها وهو قول السدي أنهم كانوا يأمرون الناس بطاعة الله وينهونه عن معصية الله وهم كانوا يتركون الطاعة ويقدمون على المعصية
وثانيها قول ابن جريج أنهم كانوا يأمرون الناس بالصلاة والزكاة وهم كانوا يتركونهما
وثالثها إنه إذا جاءهم أحد في الخفية لاستعلام أمر محمد ( صلى الله عليه وسلم ) قالوا هو صادق فيما يقول وأمره حق فاتبعوه وهم كانوا لا يتبعونه لطعمهم في الهدايا والصلات التي كانت تصل إليهم من أتباعهم
ورابعها أن جماعة من اليهود كانوا قبل مبعث الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) يخبرون مشركي العرب أن رسولا سيظهر منكم ويدعو إلى الحق وكانوا يأمرون باتباعه قبل ظهوره فلما ظهر تركوه وأعرضوا عن دينه وهذا اختيار أبي مسلم
وخامسها هو قول الزجاج كانوا يأمرون الناس ببذل الصدقة وكانوا يشحون بها لأن الله تعالى وصفهم بقساوة القلوب وأكل الربا والسحت