فهرس الكتاب
البر حال كونه ناسيا للنفس وعندنا المراد من الآية هو الأول لا الثاني وعلى هذا التقدير يسقط قول هذا الخصم وأما المعقول الذي ذكروه فليزمهم
المسألة الثانية احتجت المعتزلة بهذه الآية على أن فعل العبد غير مخلوق لله عز وجل فقالوا قوله تعالى أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم إنما يصح ويحسن لو كان ذلك الفعل منهم فأما إذا كان مخلوقا فيهم على سبيل الاضطرار فإن ذلك لا يحسن إذ لا يجوز أن يقال للأسود لم لا تبيض لما كان السواد مخلوق فيه والجواب أن قدرته لما صلحت للضدين فإن حصل أحد الضدين دون الآخر لا لمرجح كان ذلك محض الاتفاق والأمر الاتفاقي لا يمكن التوبيخ عليه وإن حصل فإن كان ذلك المرجح منه عاد البحث فيه وإن حصل من الله تعالى فعند حصوله يصير ذلك الطرف راجحا والآخر مرجوحا والمرجوح ممتنع الوقوع لأنه حال الاستواء لما كان ممتنع الوقوع فحال المرجوحية أولى بأن يكون ممتنع الوقوع وإذا امتنع أحد النقيضين وجب الآخر وحينئذ يعود عليكم كل ما أوردتموه علينا ثم الجواب الحقيقي عن الكل أنه لا يسأل عما يفعل
المسألة الثالثة ( أ ) عن أنس رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام { مررت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من النار فقلت يا أخي جبريل من هؤلاء ؟ فقال هؤلاء خطباء من أهل الدنيا كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم } ( ب ) وقال عليه الصلاة والسلام { إن في النار رجلا يتأذى أهل النار بريحه فقيل من هو يا رسول الله ؟ قال عالم لا ينتفع بعلمه } ( ج ) وقال عليه الصلاة والسلام { مثل الذي يعلم الناس الخير ولا يعمل به كالسراج يضيء للناس ويحرق نفسه } ( د ) وعن الشعبي يطلع قوم من أهل الجنة إلى قوم من النار فيقولون لم دخلتم النار ونحن إنما دخلنا الجنة بفضل تعليمكم فقالوا إنا كنا نأمر بالخير ولا نفعله كما قيل من وعظ بقوله ضاع كلامه ومن وعظ بفعله نفذت سهامه وقال الشاعر يا أيها المعلم غيره
هلا لنفسك كان ذا التعليم
تصف الدواء لذي السقام وذي الضنا
كيما يصح به وأنت سقيم
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها
فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك يقبل إذا وعظت ويقتدى
بالرأي منك وينفع التعليم
قيل عمل رجل في ألف رجل أبلغ من قول ألف رجل في رجل وأما من وعظ واتعظ فمحله عند الله عظيم
روي أن يزيد بن هارون مات وكان واعظا زاهدا فرؤي في المنام فقيل له ما فعل الله بك فقال غفر لي وأول ما سالني منكر ونكير فقالا من ربك فقلت أما تستحيان من شيخ دعا إلى الله تعالى كذا وكذا سنة فتقولان له من ربك وقيل للشبلي عند النزع قل لا إله إلا الله فقال إن بيتا أنت ساكنه
غير محتاج إلى السرج