بخلق الإنسان من التراب بل خلق الحيوان المنتشر من التراب الساكن عجيب فضلًا عن خلق البشر وفي الآية مسائل
المسألة الأولى وهي أن الله خلق آدم من تراب وخلقنا منه فكيف قال خَلَقَكُمْ مّن تُرَابٍ نقول الجواب عنه من وجهين أحدهما ما قيل إن المراد من قوله خَلَقَكُمْ أنه خلق أصلكم والثاني أن نقول إن كل بشر مخلوق من التراب أما آدم فظاهر وأما نحن فلأنا خلقنا من نطفة والنطفة من صالح الغذاء الذي هو بالقوة بعض من الأعضاء والغذاء إما من لحوم الحيوانات وألبانها وأسمانها وإما من النبات والحيوان أيضًا له غذاء هو النبات لكن النبات من التراب فإن الحبة من الحنطة والنواة من الثمرة لا تصير شجرة إلا بالتراب وينضم إليها أجزاء مائية ليصير ذلك النبات بحيث يغذو
المسألة الثانية قال تعالى في موضع آخر خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَرًا ( الفرقان 2 ) وقال مّن مَّاء مَّهِينٍ ( المرسلات 20 ) وههنا قال من تُرَابٍ فكيف الجمع قلنا أما على الجواب الأول فالسؤال زائل فإن المراد منه آدم وأما على الثاني فنقول ههنا قال ما هو أصل أول وفي ذلك الموضع قال ما هو أصل ثان لأن ذلك التراب الذي صار غذاء يصير مائعًا وهو المني ثم ينعقد ويتكون بخلق الله منه إنسانًا أو نقول الإنسان له أصلان ظاهران الماء والتراب فإن التراب لا ينبت إلا بالماء ففي النبات الذي هو أصل غذاء الإنسان تراب وماء فإن جعل التراب أصلًا والماء لجمع أجزائه المتفتتة فالأمر كذلك وإن جعل الأصل هو الماء والتراب لتثبيت أجزائه الرطبة من السيلان فالأمر كذلك فإن قال قائل الله تعالى يعلم كل شيء فهو يعلم أن الأصل ماذا هو منهما وإنما الأمر عندنا مشتبه يجوز هذا وذاك فإن كان الأصل هو التراب فكيف قال مِنَ الْمَاء بَشَرًا وإن كان الماء فكيف قال خَلَقَكُمْ مّن تُرَابٍ وإن كانا هما أصلين فلم لم يقل خلقكم منهما فنقول فيه لطيفة وهي أن كون التراب أصلًا والماء أصلًا والماء ليس لذاتيهما وإنما هو يجعل الله تعالى فإن الله نظرًا إلى قدرته كان له أن يخلق أول ما يخلق الإنسان ثم يفنيه ويحصل منه التراب ثم يذوبه ويحصل منه الماء لكن الحكمة اقتضت أن يكون الناقص وسيلة إلى الكامل لا الكامل يكون وسيلة إلى الناقص فخلق التراب والماء أولًا وجعلهما أصلين لمن هو أكمل منهما بل للذي هو أكمل من كل كائن وهو الإنسان فإن كان كونهما أصلين ليس أمرًا ذاتيًا لهما بل بجعل جاعل فتارة جعل الأصل التراب وتارة الماء ليعلم أنه بإرادته واختياره فإن شاء جعل هذا أصلًا وإن شاء جعل ذلك أصلًا وإن شاء جعلهما أصلين
المسألة الثالثة قال الحكماء إن الإنسان مركب من العناصر الأربعة وهي التراب والماء والهواء والنار وقالوا التراب فيه لثباته والماء لاستمساكه فإن التراب يتفتت بسرعة والهواء لاستقلاله كالزق المنفوخ يقوم بالهواء ولولاه لما كان فيه استقلال ولا انتصاب والنار للنضج والالتئام بين هذه الأشياء فهذا هذا صحيح أم لا فإن كان صحيحًا فكيف اعتبر الأمرين فحسب ولم يقل في موضع آخر إنه خلقكم من نار ولا من ريح فنقول أما قولهم فلا مفسدة فيه من حيث الشرع فلا ننازعهم فيه إلا إذا قالوا بأنه بالطبيعة كذلك وأما إن قالوا بأن الله بحكمته خلق الإنسان من هذه الأشياء فلا ننازعهم فيه وأما الآيات فنقول ما ذكرتم لا يخالف هذا لأن الهواء جعلتموه للاستقلال والنار للنضج فهما يكونان بعد امتزاج الماء بالتراب فالأصل الموجود أولاهما لا غير فلذلك خصهما ولأن المحسوس من العناصر في الغالب هو التراب والماء ولا سيما كونهما في الإنسان ظاهر لكل أحد فخص الظاهر المحسوس بالذكر