فهرس الكتاب

الصفحة 4856 من 6606

ليس مجرد عدم البصر وعدم السمع إذ الحجر والشجر لا بصر لهما ولا سمع ولا يقال لشيء منهما إنه أصم أو أعمى إذا علم هذا فنقول ما يتحقق فيه العمى والصمم لا بد من أن يكون فيه اقتضاء لخلافهما وإلا لما كان يقال له أعمى وأصم وما يكون فيه اقتضاء شيء ويترتب عليه مقتضاه لا تطلب النفس له سببًا لأن من يرى المتعيش في السوق لا يقول لم دخل السوق وما يثبت على خلاف المقتضى تطلب النفس له سببًا كمن يرى ملكًا في السوق يقول لم دخل فإذن سبب العمى والصمم يطلبه كل واحد فيقول لم صار فلان أعمى ولا يقول لم صار فلان بصيرًا وإذا كان كذلك قدم الله تعالى ما تطلب النفس سببه وهو الليل الذي هو على وزان العمى والظلمة والموت لكون كل واحد طالبًا سببه ثم ذكر بعده الأمر الآخر

المسألة الثانية قال يُولِجُ بصيغة المستقبل وقال في الشمس والقمر سخر بصيغة الماضي لأن إيلاج الليل في النهار أمر يتجدد كل فصل بل كل يوم وتسخير الشمس والقمر أمر مستمر كما قال تعالى حَتَّى عَادَ كَالعُرجُونِ الْقَدِيمِ ( ي س 39 )

المسألة الثالثة قدم الشمس على القمر مع تقدم الليل الذي فيه سلطان القمر على النهار الذي فيه سلطان الشمس لما بينا أن تقديم الليل كان لأن الأنفس تطلب سببه أكثر مما تطلب سبب النهار وههنا كذلك لأن الشمس لما كانت أكبر وأعظم كانت أعجب والنفس تطلب سبب الأمر العجيب أكثر مما تطلب سبب الأمر الذي لا يكون عجيبًا

المسألة الرابعة ما تعلق قوله تعالى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ بما تقدم نقول لما كان الليل والنهار محل الأفعال بين أن ما يقع في هذين الزمانين اللذين هما بتصرف الله لا يخفى على الله

المسألة الخامسة قوله تعالى أَلَمْ تَرَ يحتمل وجهين أحدهما أن يكون الخطاب مع النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وعليه الأكثرون وكأنه ترك الخطاب مع غيره لأن من هو غيره من الكفار لا فائدة للخطاب معهم لإصرارهم ومن هو غيره من المؤمنين فهم مؤتمرون بأمر النبي عليه الصلاة والسلام ناظرون إليه الوجه الثاني أن يقال المراد منه الوعظ والواعظ يخاطب ولا يعين أحدًا فيقول لجمع عظيم يا مسكين إلى الله مصيرك فمن نصيرك ولماذا تقصيرك فقوله أَلَمْ تَرَ يكون خطابًا من ذلك القبيل أي يا أيها الغافل ألم تر هذا الأمر الواضح

ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِى ُّ الْكَبِيرُ

ولما ذكر تعالى أوصاف الكمال بقوله إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِى ُّ الْحَمِيدُ ( لقمان 26 ) وقوله أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( البقرة 220 ) وقوله إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ( المجادلة 1 ) وأشار إلى الإرادة والكمال بقوله مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ ( لقمان 27 ) وبقوله يُولِجُ الَّيْلَ فِى النَّهَارِ وعلى الجملة فقوله هُوَ الْغَنِى ُّ إشارة إلى كل صفة سلبية فإنه إذا كان غنيًا لا يكون عرضًا محتاجًا إلى الجوهر في القوام ولا جسمًا محتاجًا إلى الحيز في الدوام ولا شيئًا من الممكنات المحتاجة إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت