فهرس الكتاب

الصفحة 4871 من 6606

لبيان شدة الخجالة لأن الرب إذا أساء إليه المربوب ثم وقف بين يديه يكون في غاية الخجالة

ثم قال تعالى رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا يعني يقولون أو قائلين رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وحذف يقولون إشارة إلى غاية خجالتهم لأن الخجل العظيم الخجالة لا يتكلم وقوله رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا أي أبصرنا الحشر وسمعنا قول الرسول فارجعنا إلى دار الدنيا لنعمل صالحًا وقولهم إِنَّا مُوقِنُونَ معناه إنا في الحال آمنا ولكن النافع الإيمان والعمل الصالح ولكن العمل الصالح لا يكون إلا عند التكليف به وهو في الدنيا فارجعنا للعمل وهذا باطل منهم فإن الإيمان لا يقبل في الآخرة كالعمل الصالح أو نقول المراد منه أنهم ينكرون الشرك كما قالوا وَمَا كُنَّا مُشْرِكِينَ فقالوا إن هذا الذي جرى علينا ما جرى إلا بسبب ترك العمل الصالح وأما الإيمان فإنا موقنون وما أشركنا

وَلَوْ شِئْنَا لاّتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَاكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنْى لاّمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّة ِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ

ثم قال تعالى وَلَوْ شِئْنَا لاَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَاكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنْى لاَمْلانَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّة ِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ جوابًا عن قولهم رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا وبيانه هو أنه تعالى قال إني لو أرجعتكم إلى الإيمان لهديتكم في الدنيا ولما لم أهدكم تبين أني ما أردت وما شئت إيمانكم فلا أردكم وقوله وَلَوْ شِئْنَا لاَتَيْنَا صريح في أن مذهبنا صحيح حيث نقول إن الله ما أراد الإيمان من الكافر وما شاء منه إلا الكفر ثم قال تعالى وَلَاكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنْى لاَمْلانَّ جَهَنَّمَ أي وقع القول وهو قوله تعالى لإبليس لاَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ ( ص 85 ) هذا من حيث النقل وله وجه في العقل وهو أن الله تعالى لم يفعل فعلًا خاليًا عن حكمة وهذا متفق عليه والخلاف في أنه هل قصد الفعل للحكمة أو فعل الفعل ولزمته الحكمة لا بحيث تحمله تلك الحكمة على الفعل وإذا علم أن فعله لا يخلو عن الحكمة فقال الحكماء حكمة أفعاله بأمرها لا تدرك على سبيل التفصيل لكن تدرك على سبيل الإجمال فكل ضرب يكون في العالم وفساد فحكمته تخرج من تقسيم عقلي وهو أن الفعل إما أن يكون خيرًا محضًا أو شرًا محضًا أو خيرًا مشوبًا بشر وهذا القسم على ثلاثة أقسام قسم خيره غالب وقسم شره غالب وقسم خيره وشره مثلان إذا علم هذا فخلق الله عالمًا فيه الخير المحض وهو عالم الملائكة وهو العالم العلوي وخلق عالمًا فيه خير وشر وهو عالمنا وهو العالم السفلي ولم يخلق عالمًا فيه شر محض ثم إن العالم السفلي الذي هو عالمنا وإن كان الخير والشر موجودين فيه لكنه من القسم الأول الذي خيره غالب فإنك إذا قابلت المنافع بالمضار والنافع بالضار تجد المنافع أكثر وإذا قابلت الشرير بالخير تجد الخير أكثر وكيف لا والمؤمن يقابله الكافر ولكن المؤمن قد يمكن وجوده بحيث لا يكون فيه شر أصلًا من أول عمره إلى آخره كالأنبياء عليهم السلام والأولياء والكافر لا يمكن وجوده بحيث لا يكون فيه خير أصلًا غاية ما في الباب أن الكفر يحبط خيره ولا ينفعه إنما يستحيل نظرًا إلى العادة أن يوجد كافر لا يسقي العطشان شربة ماء ولا يطعم الجائع لقمة خبز ولا يذكر ربه في عمره وكيف لا وهو في زمن صباه كان مخلوقًا على الفطرة المقتضية للخيرات إذا ثبت هذا فنقول قالوا لولا الشر في هذا العالم لكانت مخلوقات الله تعالى منحصرة في الخير المحض ولا يكون قد خلق القسم الذي فيه الخير الغالب والشر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت