فهرس الكتاب

الصفحة 4875 من 6606

لما بين حال المجرم والمؤمن قال للعاقل هل يستوي الفريقان ثم بين أنهما لا يستويان ثم بين عدم الاستواء على سبيل التفصيل فقال أَمَّا الَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى إشارة إلى ما ذكرنا أن الله أحسن ابتداء لا لعوض فلما آمن العبد وعمل صالحًا قبله منه كأنه ابتداء فجازاه بأن أعطاه الجنة ثم قال تعالى نُزُلًا إشارة إلى أن بعدها أشياء لأن النزل ما يعطي الملك النازل وقت نزوله قبل أن يجعل له راتبًا أو يكتب له خبزًا وقوله بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ يحقق ما ذكرنا وقوله تعالى وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَا إشارة إلى حال الكافر وقد ذكرنا مرارًا أن العمل الصالح له مع الإيمان أثر أما الكفر إذا جاء فلا التفات إلى الأعمال فلم يقل وأما الذين فسقوا وعملوا السيآت لأن المراد من فسقوا كفروا ولو جعل العقاب في مقابلة الكفر والعمل لظن أن مجرد الكفر لا عقاب عليه وقوله في حق المؤمنين لَهُمْ بلام التمليك زيادة إكرام لأن من قال لغيره اسكن هذه الدار يكون ذلك محمولًا على العارية وله استرداده وإذا قال هذه الدار لك يكون ذلك محمولا على نسبة الملكية إليه وليس له استرداده بحكم قوله وكذلك في قوله لَهُمْ جَنَّاتُ ألا ترى أنه تعالى لما أسكن آدم الجنة وكان في علمه أنه يخرجه منها قال اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّة َ ( البقرة 35 ) ولم يقل لكما الجنة وفي الآخرة لما لم يكن للمؤمنين خروج عنها قال لَكُمْ الْجَنَّة ِ و لَهُمْ جَنَّاتُ وقوله كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَا أُعِيدُواْ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ إشارة إلى معنى حكمي وهو أن المؤلم إذا تمكن والألم إذا امتد لم يبق به شعور تام ولهذا قال الأطباء إن حرارة حمى الدق بالنسبة إلى حرارة الحمى البلغمية نسبة النار إلى الماء المسخن ثم إن المدقوق لا يحس من الحرارة بما يحس به من به الحمى البلغمية لتمكن الدق وقرب العهد بظهور حرارة الحمى البلغمية وكذلك الإنسان إذا وضع يده في ماء بارد يتألم من البرد فإذا صبر زمانًا طويلًا تثلج يده ويبطل عنه ذلك الألم الشديد مع فساد مزاجه إذا علمت هذا فقوله كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَا أُعِيدُواْ فِيهَا إشارة إلى أن الإله لا يسكن عنهم بل يرد عليهم في كل حال أمر مؤلم يجدد وقوله ذُوقُواْ عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذّبُونَ يقرر ما ذكرنا ومعناه أنهم في الدنيا كانوا يكذبون بعذاب النار فلما ذاقوه كان أشد إيلامًا لأن من لا يتوقع شيئًا فيصيبه يكون أشد تأثيرًا ثم إنهم في الآخرة كما في الدنيا يجزمون أن لا عذاب إلا وقد وصل إليهم ولا يتوقعون شيئًا آخر من العذاب فيرد عليهم عذاب أشد من الأول وكانوا يكذبون به بقولهم لا عذاب فوق ما نحن فيه فاذن معنى قوله تعالى ذُوقُواْ عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذّبُونَ ليس مقتصرًا على تكذيبهم الذي كان في الدنيا بل كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَا أُعِيدُواْ فِيهَا وقيل لهم ذوقوا عذابًا كذبتم به من قبل أما في الدنيا بقولكم لا عذاب في الآخرة وأما في الآخرة فبقولكم لا عذاب فوق ما نحن فيه

وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ الْعَذَابِ الاٌّ دْنَى دُونَ الْعَذَابِ الاٌّ كْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت