فهرس الكتاب

الصفحة 4918 من 6606

ثم قال تعالى وَجِيهًا يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ أرشدهم إلى ما ينبغي أن يصدر منهم من الأفعال والأقوال أما الأفعال فالخير وأما الأقوال فالحق لأن من أتى بالخير وترك الشر فقد اتقى الله ومن قال الصدق قال قولًا سديدًا ثم وعدهم على الأمرين بأمرين على الخيرات بإصلاح الأعمال فإن بتقوى الله يصلح العمل والعمل الصالح يرفع ويبقى فيبقى فاعله خالدًا في الجنة وعلى القول السديد بمغفرة الذنوب

ثم قال تعالى وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا فطاعة الله هي طاعة الرسول ولكن جمع بينهما لبيان شرف فعل المطيع فإنه يفعله الواحد اتخذ عند الله عهدًا وعند الرسول يدًا وقوله فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا جعله عظيمًا من وجهين أحدهما أنه من عذاب عظيم والنجاة من العذاب تعظم بعظم العذاب حتى أن من أراد أن يضرب غيره سوطًا ثم نجا منه لا يقال فاز فوزًا عظيمًا لأن العذاب الذي نجا منه لو وقع ما كان يتفاوت الأمر تفاوتًا كثيرًا والثاني أنه وصل إلى ثواب كثير وهو الثواب الدائم الأبدي

إِنَّا عَرَضْنَا الاٌّ مَانَة َ عَلَى السَّمَاوَاتِ والأرض وَالْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا

لما أرشد الله المؤمنين إلى مكارم الأخلاق وأدب النبي عليه السلام بأحسن الآداب بين أن التكليف الذي وجهه الله إلى الإنسان أمر عظيم فقال إِنَّا عَرَضْنَا الاْمَانَة َ أي التكليف وهو الأمر بخلاف ما في الطبيعة واعلم أن هذا النوع من التكليف ليس في السموات ولا في الأرض لأن الأرض والجبل والسماء كلها على ما خلقت عليه الجبل لا يطلب منه السير والأرض لا يطلب منها الصعود ولا من السماء الهبوط ولا في الملائكة لأن الملائكة وإن كانوا مأمورين منهيين عن أشياء لكن ذلك لهم كالأكل والشرب لنا فيسبحون الليل والنهار لا يفترون كما يشتغل الإنسان بأمر موافق لطبعه وفي الآية مسائل

المسألة الأولى في الأمانة وجوه كثيرة منها من قال هو التكليف وسمي أمانة لأن من قصر فيه فعليه الغرامة ومن وفر فله الكرامة ومنهم من قال هو قول لا إله إلا الله وهو بعيد فإن السموات والأرض والجبال بألسنتها ناطقة بأن الله واحد لا إله إلا هو ومنهم من قال الأعضاء فالعين أمانة ينبغي أن يحفظها والأذن كذلك واليد كذلك والرجل والفرج واللسان ومنهم من قال معرفة الله بما فيها والله أعلم

المسألة الثانية في العرض وجوه منهم من قال المراد العرض ومنهم من قال الحشر ومنهم من قال المقابلة أي قابلنا الأمانة على السموات فرجحت الأمانة على أهل السموات والأرض

المسألة الثالثة فِي السَّمَاوَاتِ والاْرْضِ وجهان أحدهما أن المراد هي بأعيانها والثاني المراد أهلوها ففيه إضمار تقديره إنا عرضنا الأمانة على أهل السموات والأرض

المسألة الرابعة قوله فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا لم يكن إباؤهن كإباء إبليس في قوله تعالى أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ( الحجر 31 ) من وجهين أحدهما أن هناك السجود كان فرضًا وههنا الأمانة كانت عرضًا وثانيهما أن الإباء كان هناك استكبارًا وههنا استصغارًا استصغرن أنفسهن بدليل قوله وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا

المسألة الخامسة ما سبب الإشفاق نقول الأمانة لا تقبل لوجوه أحدها أن يكون عزيزًا صعب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت