فهرس الكتاب
بإثارتهم الأرض أو بكثرتهم ولكن نفس القوة ورجحانهم فيما عليهم كان معلومًا عندهم فإن كل طائفة تعتقد فيمن تقدمهم أنهم أقوى منهم ولا نزاع فيه
وقوله تعالى وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَى ْء فِى السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِى الاْرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا يحتمل وجهين أحدهما أن يكون بيانًا لهم أي أن الأولين مع شدة قوتهم ما أعجزوا الله وما فاتوه فهم أولى بأن لا يعجزوه والثاني أن يكون قطعًا لأطماع الجهال فإن قائلًا لو قال هب أن الأولين كانوا أشد قوة وأطول أعمارًا لكنا نستخرج بذكائنا ما يزيد على قواهم ونستعين بأمور أرضية لها خواص أو كواكب سماوية لها آثار فقال تعالى وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَى ْء فِى السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِى الاْرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا بأفعالهم وأقوالهم قَدِيرًا على إهلاكهم واستئصالهم
وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَآبَّة ٍ وَلَاكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا
ثم قال تعالى وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّة ٍ وَلَاكِن يُؤَخّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء
لما خوف الله المكذبين بمن مضى وكانوا من شدة عنادهم وفساد اعتقادهم يستعجلون بالعذاب ويقولون عجل لنا عذابنا فقال الله للعذاب أجل والله لا يؤاخذ الله الناس بنفس الظلم فإن الإنسان ظلوم جهول وإنما يؤاخذ بالإصرار وحصول يأس الناس عن إيمانهم ووجود الإيمان ممن كتب الله إيمانه فإذا لم يبق فيهم من يؤمن يهلك المكذبين ولو آخذهم بنفس الظلم لكان كل يوم إهلاك وفيه مسائل
المسألة الأولى إذا كان الله يؤاخذ الناس بما كسبوا فما بال الدواب يهلكون نقول الجواب من وجوه أحدها أن خلق الدواب نعمة فإذا كفر الناس يزيل الله النعم والدواب أقرب النعم لأن المفرد أولًا ثم المركب والمركب إما أن يكون معدنيًا وإما أن يكون ناميًا والنامي إما أن يكون حيوانًا وإما أن يكون نباتًا والحيوان إما إنسان وإما غير إنسان فالدواب أعلى درجات المخلوقات في عالم العناصر للإنسان الثاني هو أن ذلك بيان لشدة العذاب وعمومه فإن بقاء الأشياء بالإنسان كما أن بقاء الإنسان بالأشياء وذلك لأن الإنسان يدبر الأشياء ويصلحها فتبقى الأشياء ثم ينتفع بها الإنسان فيبقى الإنسان فإذا كان الهلاك عامًا لا يبقى من الإنسان من يعمر فلا تبقى الأبنية والزروع فلا تبقى الحيوانات الأهلية لأن بقاءها بحفظ الإنسان إياها عن التلف والهلاك بالسقي والعلف الثالث هو أن إنزال المطر هو إنعام من الله في حق العباد فإذا لم يستحقوا الإنعام قطعت الأمطار عنهم فيظهر الجفاف على وجه الأرض فتموت جميع الحيوانات وقوله تعالى مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّة ٍ الوجه الثالث لأن بسبب انقطاع الأمطار تموت حيوانات البر أما حيوانات البحر فتعيش بماء البحار
المسألة الثانية قوله تعالى عَلَى ظَهْرِهَا كناية عن الأرض وهي غير مذكورة فكيف علم نقول مما تقدم ومما تأخر أما ما تقدم فقوله وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَى ْء فِى السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِى الاْرْضِ فهو أقرب