فهرس الكتاب

الصفحة 5036 من 6606

رسول ولذلك اتفق العقلاء على أن الشيطان يأمر بالشر وإن اختلفوا في حقيقته وكيفيته

المسألة الرابعة قوله لاَّ تَعْبُدُواْ الشَّيطَانَ معناه لا تطيعوه بدليل أن المنهي عنه ليس هو السجود له فحسب بل الانقياد لأمره والطاعة له فالطاعة عبادة لا يقال فنكون نحن مأمورين بعبادة الأمراء حيث أمرنا بطاعتهم في قوله تعالى أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِى الاْمْرِ مِنْكُمْ ( النساء 59 ) لأنا نقول طاعتهم إذا كانت بأمر الله لا تكون إلا عبادة لله وطاعة له وكيف لا ونفس السجود والركوع للغير إذا كان بأمر الله لا يكون إلا عبادة لله ألا ترى أن الملائكة سجدوا لآدم ولم يكن ذلك إلا عبادة لله وإنما عبادة الأمراء هو طاعتهم فيما لم يأذن الله فيه فإن قيل بماذا تعلم طاعة الشيطان من طاعة الرحمن مع أنا لا نسمع من الشيطان خبرًا ولا نرى منه أثرًا نقول عبادة الشيطان في مخالفة أمر الله أو الإتيان بما أمر الله لا لأنه أمر به ففي بعض الأوقات يكون الشيطان يأمرك وهو في غيرك وفي بعض الأوقات يأمرك وهو فيك فإذا جاءك شخص يأمرك بشيء فانظر إن كان ذلك موافقًا لأمر الله أو ليس موافقًا فإن لم يكن موافقًا فذلك الشخص مع الشيطان يأمرك بما يأمرك به فإن أطعته فقد عبدت الشيطان وإن دعتك نفسك ألى فعل فانظر أهو مأذون فيه من جهة الشرع أو ليس كذلك فإن لم يكن مأذونًا فيه فنفسك في الشيطان أو معها الشيطان يدعوك فإن اتبعته فقد عبدته ثم إن الشيطان يأمر أولًا بمخالفة الله ظاهرًا فمن أطاعه فقد عبده ومن لم يطعه فلا يرجع عنه بل يقول له أعبد الله كي لا تهان وليرتفع عند الناس شأنك وينتفع بك إخوانك وأعوانك فإن أجاب إليه فقد عبده لكن عبادة الشيطان على تفاوت وذلك لأن الأعمال منها ما يقع والعامل موافق فيه جنانه ولسانه وأركانه ومنها ما يقع والجنان واللسان مخالف للجوارح أو للأركان فمن الناس من يرتكب جريمة كارهًا بقلبه لما يقترف من ذبنه مستغفرًا لربه يعترف بسوء ما يقترف فهو عبادة الشيطان بالأعضاء الظاهرة ومنهم من يرتكبها وقلبه طيب ولسانه رطب كما أنه تجد كثيرًا من الناس يفرح بكون مترددًا إلى أبواب الظلمة للسعاية ويعد من المحاسن كونه ساريًا مع الملوك ويفتخر به بلسانه وتجدهم يفرحون بكونهم آمرين الملك بالظلم والملك ينقاد لهم أو يفرحون بكونه يأمرهم بالظلم فيظلمون فرحين بما وعد عليهم منا لأمر إذا عرفت هذا فالطاعة التي لهم أو يفرحون بكونه يأمرهم بالظلم فيظلمون فرحين بما ورد عليه من الأمر إذا عرفت هذا فالطاعة التي بالأعضاء الظاهرة والبواطن طاهرة مكفرة بالأسقام والآلام كما ورد في الأخبار ومن ذلك قوله ( صلى الله عليه وسلم ) ( الحمى من فيح جهنهم ) وقوله ( صلى الله عليه وسلم ) ( السيف محاء للذنوب ) أي لمثل هذا الذنوب ويدل عليه ما قال ( صلى الله عليه وسلم ) في الحدود ( إنها كفارات ) وما يكون بالقلوب فلا خلاص عنه إلا بالتوبة والندم وإقبال القلب على الرب وما يكون باللسان فهو من قبيل ما يكون بالقلب في الظاهر والمثال يوضح الحال فنقول إذا كان عند السلطان أمير وله غلمان هم من خواص الأمير وأتباع بعداءهم من عوام الناس فإذا صدر من الأمير مخالة ومسارة مع عدو السلطان ومصادقة بينهما لا يعفو الملك عن ذلك إلا إذا كان في غاية الصفح أو يكون للأمير عنده يد سابقة أو توبة لاحقة فإن صدر من خواص الأمير مخالفة وهو به عالم ولم يزجره عدت المخالفة موجودة منه وإن كان كارهًا وأظهر الإنكار حسنت معاتبته دون معاقبته لأن إقدام خواصه على المخالفة دليل على سوء التربية فإن كان الصادر من الحواشي الأباعد وبلغ الأمير ولم يزجره عوتب الأمير وإن زجرهم استحق الأمير بذلك الزجر الإكرام وحسن من الملك أن يسدي إلى المزجور الإحسان والإنعام إن علم حصول انزجاره إذا علمت هذا فالقلب أمير واللسان خاصته والأعضاء خدمه فما يصدر من القلب فهو العظيم من الذنب فإن أقبل على محبة غير الله فهو الويل العظيم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت