فهرس الكتاب

الصفحة 5047 من 6606

ومن نطفة متشابهة الأجزاء ثم جعلنا لهم من النواصي إلى الأقدام أعضاء مختلفة الصور والقوام وما اكتفينا بذلك حتى أودعناهم ما ليس من قبيل هذه الأجرام وهو النطق والعقل لذي ( ن ) بهما استحقوا الإكرام فإن كانوا يقنعون بمجرد الاستبعاد فهلا يستبعدون خلق الناطق العاقل من نطفة قذرة لم تكن محل الحياة أصلًا ويستبعدون إعادة النطق والعقل إلى محل كانا فيه ثم إن استبعادهم كان من جهة ما في المعاد من التفتت والتفرق حيث قالوا مَن يُحى ِ الْعِظَامَ وَهِى َ رَمِيمٌ اختاروا العظم للذكر لأنه أبعد عن الحياة لعدم الإحساس فيه ووصفوه بما يقوي جانب الاستبعاد من البلى والتفتت والله تعالى دفع استبعادهم من جهة ما في المعيد من القدرة والعلم فقال وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا أي جعل قدرتنا كقدرتهم ونسي خلقه العجيب وبدأه الغريب ومنهم من ذكر شبهة وإن كانت في آخرها تعود إلى مجرد الاستبعاد وهي على وجهين أحدهما أنه بعد العدم لم يبق شيئًا فكيف يصح على العدم الحكم بالوجود وأجاب عن هذه الشبهة بقوله تعالى

قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِى أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّة ٍ يعني كما خلق الإنسان ولم يكن شيئًا مذكورًا كذلك يعيده وإن لم يبق شيئًا مذكورًا وثانيها أن من تفرقت أجزاؤه ف مشارق العالم ومغاربه وصار بعضه في أبدان السباع وبعضه في جدران الرباع كيف يجمع وأبعد من هذا هو أن إنسانًا إذا أكل إنسانًا وصار أجزاء المأكول في أجزاء الآكل فإن أعيد فأجزاء المأول إما أن تعاد إلى بدن الآكل فلا يبقى للمأكول أجزاء تخلق منها أعضاؤه وإما أن تعاد إلى بدن المأكول منه فلا يبقى للآكل أجزاء فقال تعالى في إبطال هذه الشبهة دوهو بكل خلق عليم ووجهه هو أن في الآكل أجزاء أصلية وأجزاء فضلية وفي المأكول كذلك فإذا أكل إنسان إنسانًا صار الأصلي من أجزاء المأكول فضليًا من أجزاء الآكل والأجزاء الأصلية للآكل هي ما كان له قبل الأكل ووجهه هو أن في الآكل أجزاء أصلية وأجزاء فضلية وفي المأكول كذلك فإذا أكل إنسان إنسانًا صار الأصلي من أجزاء المأكول فضليًا من أجزاء الآكل والأجزاء الأصلية للآكل هي ما كان له قبل الأكل وَهُوَ بِكُلّ خَلْقٍ عَلِيمٌ يعلم الأصلي من الفضلي فيجمع الأجزاء الأصلي للآكل وينفخ فيها روحه ويجمع الأجزاء الأصلية للمأكول وينفخ فيها روحه وكذلك يجمع الأجزاء المتفرقة في البقاع المبددة في الأصقاع بحكمته الشاملة وقدرته الكاملة

ثم إنه تعالى عاد إلى تقرير ما تقدم من دفع استبعادهم وإبطال إنكارهم وعنادهم فقال تعالى

الَّذِى جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الاٌّ خْضَرِ نَارًا فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ

ووجهه هو أن الإنسان مشتمل على جسم يحس به وحياة سارية فيه وهي كحرارة جارية فيه فإن استبعدتم وجود حرارة وحياة فيه فلا تستبعدوه فإن النار في الشجر الأخضر الذي يقطر منه الماء أعجب وأغرب وأنتم تحضرون حيث من توقدون وإن استبعدتم خلق جسمه فخلق السموات والأرض أكبر من خلق أنفسكم فلا تستبعدوه فإن الله خلق السموات والأرض فبان لطف قوله تعالى الَّذِى جَعَلَ لَكُم مّنَ الشَّجَرِ الاْخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مّنْه تُوقِدُونَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت