فهرس الكتاب

الصفحة 5165 من 6606

ثم قال تعالى يَخْلُقُكُمْ فِى بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مّن بَعْدِ خَلْقٍ وفيه أبحاث

الأول قرأ حمزة بكسر الألف والميم والكسائي بكسر الهمزة وفتح الميم والباقون أمهاتكم بضم الألف وفتح الميم

الثاني أنه تعالى لما ذكر تخليق الناس من شخص واحد وهو آدم عليه السلام أردفه بتخليق الأنعام وإنما خصها بالذكر لأنها أشرف الحيوانات بعد الإنسان ثم ذكر عقيب ذكرهما حالة مشتركة بين الإنسان وبين الأنعام وهي كونها مخلوقة في بطون أمهاتهم وقوله خَلْقًا مّن بَعْدِ خَلْقٍ المراد منه ما ذكره الله تعالى في قوله وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن سُلَالَة ٍ مّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَة ً فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَة َ عَلَقَة ً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَة َ مُضْغَة ً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَة َ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا ءاخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ ( المؤمنون 12 14 ) وقوله فِى ظُلُمَاتِ ثَلَاثَة ً قيل الظلمات الثلاث البطن والرحم والمشيمة وقيل الصلب والرحم والبطن ووجه الاستدلال بهذه الحالات قد ذكرناه في قوله هُوَ الَّذِي يُصَوّرُكُمْ فِي الاْرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء

واعلم أنه تعالى لما شرح هذه الدلائل ووصفها قال ذالِكَ اللَّهُ رَبُّكُمُ أي ذلكم الشيء الذي عرفتم عجائب أفعاله هو الله ربكم وفي هذه الآية دلالة على كونه سبحانه وتعالى منزهًا عن الأجزاء والأعضاء وعلى كونه منزهًا عن الجسمية والمكانية وذلك أنه تعالى عندما أراد أن يعرف عباده ذاته المخصوصة لم يذكر إلا كونه فاعلًا لهذه الأشياء ولو كان جسمًا مركبًا من الأعضاء لكان تعريفه بتلك الأجزاء والأعضاء تعريفًا للشيء بأجزاء حقيقته وأما كان ذلك القسم ممكنًا لكان الاكتفاء بهذا القسم الثاني تقصيرًا ونقصًا وذلك غير جائز فعلمنا أن الاكتفاء بهذا القسم إنما حسن لأن القسم الأول محال ممتنع الوجود وذلك يدل على كونه سبحانه وتعالى متعاليًا عن الجسمية والأعضاء والأجزاء

ثم قال تعالى لَهُ الْمُلْكُ وهذا يفيد الحصر أي له الملك لا لغيره ولما ثبت أنه لا ملك إلا له وجب القول بأنه لا إله إلا هو لأنه لو ثبت إله آخر فذلك الإله إما أن يكون له الملك أو لا يكون له الملك فإن كان له الملك فحينئذ يكون كل واحد منهما مالكًا قادرًا ويجري بينهما التمانع كما ثبت في قوله لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَة ٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا ( الأنبياء 22 ) وذلك محال وإن لم يكن للثاني شيء من القدرة والملك فيكون ناقصًا ولا يصلح للإلهية فثبت أنه لما دل الدليل على أنه لا ملك إلا الله وجب أن يقال لا إله للعالمين ولا معبود للخلق أجمعين إلا الله الأحد الحق الصمد ثم اعلم أنه سبحانه لما بين بهذه الدلائل كمال قدرة الله سبحانه وحكمته ورحمته رتب عليه تزييف طريقة المشركين والضالين من وجوه الأول قوله فَأَنَّى تُصْرَفُونَ يحتج به أصحابنا ويحتج به المعتزلة أما أصحابنا فوجه الاستدلال لهم بهذه الآية أنها صريحة في أنهم لم ينصرفوا بأنفسهم عن هذه البيانات بل صرفها عنهم غيرهم وما ذاك الغير إلا الله وأيضًا فدليل العقل يقوي ذلك لأن كل واحد يريد لنفسه تحصيل الحق والصواب فلما لم يحصل ذلك وإنما حصل الجهل والضلال علمنا أنه من غيره لا منه وأما المعتزلة فوجه الاستدلال لهم أن قوله فَأَنَّى تُصْرَفُونَ تعجب من هذا الانصراف ولو كان الفاعل لذلك الصرف هو الله تعالى لم يبق لهذا التعجب معنى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت