فهرس الكتاب

الصفحة 5174 من 6606

النوع الثالث من الأشياء التي أمر الله رسوله أن يذكرها قوله قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِى فإن قيل ما معنى التكرير في قوله قُلْ إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدّينَ وقوله قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِى قلنا هذا ليس بتكرير لأن الأول إخبار بأنه مأمور من جهة الله بالإتيان بالعبادة والثاني إخبار بأنه أمر بأن لا يعبد أحدًا غيره وذلك لأن قوله أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ لا يفيد الحصر وقوله تعالى قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ يفيد الحصر يعني الله أعبد ولا أعبد أحدًا سواه والدليل عليه أنه لما قال بعد قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ قال بعده فَاعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ مّن دُونِهِ ولا شبهة في أن قوله فَاعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ مّن دُونِهِ ليس أمرًا بل المراد منه الزجر كأنه يقول لما بلغ البيان في وجوب رعاية التوحيد إلى الغاية القصوى فبعد ذلك أنتم أعرف بأنفسكم ثم بين تعالى كمال الزجر بقوله قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ لوقوعها في هلاك لا يعقل هلاك أعظم منه وخسروا أهليهم أيضًا لأنهم إن كانوا من أهل النار فقد خسروهم كما خسروا أنفسهم وإن كانوا من أهل الجنة فقد ذهبوا عنهم ذهابًا لا رجوع بعده ألبتة وقال ابن عباس إن لكل رجل منزلًا وأهلًا وخدمًا في الجنة فإن أطاع أعطى ذلك وإن كان من أهل النار حرم ذلك فخسر نفسه وأهله ومنزله وورثه غيره من المسلمين والخاسر المغبون ولما شرح الله خسرانهم وصف ذلك الخسران بغاية الفظاعة فقال أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ كان التكرير لأجل التأكيد الثاني أنه تعالى ذكر في أول هذه الكلمة حرف ألا وهو للتنبيه وذكر التنبيه في هذا الموضع يدل على التعظيم كأنه قيل إنه بلغ في العظمة إلى حيث لا تصل عقولكم ليها فتنبهوا لها الثالث أن كلمة ( هو ) في قوله هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ تفيد الحصر كأنه قيل كل خسران فإنه يصير في مقابلته كلا خسران الرابع وصفه بكونه ( مبينًا ) يدل على التهويل وأقول قد بينا أن لفظ الآية يدل على كونه خسرانًا مبينًا فلنبين فحسب المباحث العقلية كونه خسرانًا مبينًا وأقول نفتقر إلى بيان أمرين إلى أن يكون خسرانًا ثم كونه مبينًا أما الأول فتقريره أنه تعالى أعطى هذه الحياة وأعطى العقل وأعطى المكنة وكل ذلك رأس المال أما هذه الحياة فالمقصود منها أن يكتسب فيها الحياة الطيبة في الآخرة

وأما العقل فإنه عبارة عن العلوم البديهية وهذه العلوم هي رأس المال والنظر والفكر لا معنى له إلا ترتيب علوم ليتوصل بذلك الترتيب إلى تحصيل علوم كسبية فتلك العلوم البديهية المسماة بالعقل رأس المال وتركيبها على الوجوه المخصوصة يشبه تصرف التاجر في رأسه المال وتركيبها على الوجوه بالبيع والشراء وحصول العلم بالنتيجة يشبه حصول الربح وأيضًا حصول القدرة على الأعمال يشبه رأس المال واستعمال تلك القوة في تحصيل أعمال البر والخير يشبه تصرف التاجر في رأس المال وحصول أعمال الخير والبر يشبه الربح إذا ثبت هذا فنقول إن من أعطاه الله الحياة والعقل والتمكن ثم إنه لم يستفد منها لا معرفة الحق ولا عمل الخير ألبتة كان محرومًا عن الربح بالكلية وإذا مات فقد ضاع رأس المال بالكلية فكان ذلك خسرانًا فهذا بيان كونه خسرانًا وأما الثاني وهو بيان كون ذلك الخسران مبينًا فهو أن من لم يربح الزيادة ولكنه مع ذلك سلم من الآفات والمضار فهذا كما لم يحصل له مزيد نفع لم يحصل له أيضًا مزيد ضرر أما هؤلاء الكفار فقد استعملوا عقولهم التي هي رأس مالهم في استخراج وجوه الشبهات وتقوية الجهالات والضلالات واستعملوا قواهم وقدرهم في أفعال الشر والباطل والفساد فهم قد جمعوا بين أمور في غاية الرداءة أولها أنهم أتعبوا أبدانهم وعقولهم طلبًا في تلك العقائد الباطلة والأعمال الفاسدة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت