فهرس الكتاب

الصفحة 5200 من 6606

وحده لا شريك له ظهرت آثار النفرة من وجوههم وقلوبهم وإذا ذكرت الأصنام والأوثان ظهرت آثار الفرح والبشارة في قلوبهم وصدورهم وذلك يدل على الجهل والحماقة لأن ذكر الله رأس السعادات وعنوان الخيرات وأما ذكر الأصنام التي هي الجمادات الخسيسة فهو رأس الجهالات والحماقات فنفرتهم عن ذكر الله وحده واستبشارهم بذكر هذه الأصنام من أقوى الدلائل على الجهل الغليظ والحمق الشديد قال صاحب ( الكشاف ) وقد يقابل الاستبشار والاشمئزاز إذ كل واحد منهما غاية في بابه لأن الاستبشار أن يمتلىء قلبه سرورًا حتى يظهر أثر ذلك السرور في بشرة وجهه ويتهلل والاشمئزاز أن يعظم غمه وغيظه فينقبض الروح إلى داخل القلب فيبقى في أديم الوجه أثر الغبرة والظلمة الأرضية ولما حكى عنهم هذا الأمر العجيب الذي تشهد فطرة العقل بفساده أردفه بأمرين أحدهما أنه ذكر الدعاء العظيم فوصفه أولا بالقدرة التامة وهي قوله قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ وثانيًا بالعلم الكامل وهو قوله تعالى عالم الغيب والشهادة وإنما قدم فذكر القدرة على ذكر العلم لأن العلم بكونه تعالى قادرًا متقدم على العلم بكونه عالمًا ولما ذكر هذا الدعاء قال أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ يعني أن نفرتهم عن التوحيد وفرحهم عند سماع الشرك أمر معلوم الفساد ببديهة العقل ومع ذلك القوم قد أصروا عليه فلا يقدر أحد على إزالتهم عن هذا الاعتقاد الفاسد والمذهب الباطل إلا أنت عن أبي سلمة قال سألت عائشة بم كان يفتتح رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) صلاته بالليل قالت ( كان يقول اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما أختلف فيه من الحق بإذنك وانك لتهدي من تشاء إلى صراط مستقيم )

واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم ذلك المذهب الباطل ذكر في وعيدهم أشياء أولها أن هؤلاء الكفار لو ملكوا كل ما في الأرض من الأموال وملكوا مثله معه لجعلوا الكل فدية لأنفسهم من ذلك العذاب الشديد وثانيها قوله تعالى وَبَدَا لَهُمْ مّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ أي ظهرت لهم أنواع من العقاب لم تكن في حسابهم وكما أنه ( صلى الله عليه وسلم ) قال في صفة الثواب في الجنة ( فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ) فكذلك في العقاب حصل مثله وهو قوله وَبَدَا لَهُمْ مّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ و ثالثها قوله تعالى وَبَدَا لَهُمْ سَيّئَاتُ مَا كَسَبُواْ ومعناه ظهرت لهم آثار تلك السيئات التي اكتسبوها أي ظهرت لهم أنواع من العقاب آثار تلك السيئات التي اكتسبوها ثم قال وَحَاقَ بِهِم من كل الجوانب جزاء ما كانوا يستهزئون به فنبه تعالى بهذه الوجوه على عظم عقابهم

فَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَة ً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِى َ فِتْنَة ٌ وَلَاكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَآ أَغْنَى عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ وَالَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ هَاؤُلاَءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِى ذَلِكَ لاّيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت