فهرس الكتاب

الصفحة 5206 من 6606

عاد إليه بل هو عائد إليهم فيكفيهم من تلك الذنوب عود مضارها إليهم ولا حاجة إلى إلحاق ضرر آخر بهم الرابع أنه قال لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَة ِ اللَّهِ نهاهم عن القنوط فيكون هذا أمرًا بالرجاء والكريم إذا أمر بالرجاء فلا يليق به إلا الكرم الخامس أنه تعالى قال أولًا فِى عِبَادِى وكان الأليق أن يقول لا تقنطوا من رحمتي لكنه ترك هذا اللفظ وقال لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَة ِ اللَّهِ لأن قولنا الله أعظم أسماء الله وأجلها فالرحمة المضافة إليه يجب أن تكون أعظم أنواع الرحمة والفضل السادس أنه لما قال لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَة ِ اللَّهِ كان الواجب أن يقول إنه يغفر الذنوب جميعًا ولكنه لم يقل ذلك بل أعاد اسم الله وقرن به لفظة إن المفيدة لأعظم وجوه التأكيد وكل ذلك يدل على المبالغة في الوعد بالرحمن السابع أنه لو قال يَغْفِرُ الذُّنُوبَ لكان المقصود حاصلًا لكنه أردفه باللفظ الدال على التأكيد فقال جميعًا وهذا أيضًا من المؤكدات الثامن أنه وصف نفسه بكونه غفورًا ولفظ الغفور يفيد المبالغة التاسع أنه وصف نفسه بكونه رحيمًا والرحمة تفيد فائدة على المغفرة فكان قوله إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ إشارة إلى إزالة موجبات العقاب وقوله الرَّحِيمِ إشارة إلى تحصيل موجبات الرحمة والثواب العاشر أن قوله إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ يفيد الحصر ومعناه أنه لا غفور ولا رحيم إلا هو وذلك يفيد الكمال في وصفه سبحانه بالغفران والرحمة فهذه الوجوه العشرة مجموعة في هذه الآية وهي بأسرها دالة على كمال الرحمة والغفران ونسأل الله تعالى الفوز بها والنجاة من العقاب بفضله ورحمته

المسألة الثالثة ذكروا في سبب النزول وجوهًا قيل إنها نزلت في أهل مكة فإنهم قالوا يزعم محمد أن من عبد الأوثان وقتل النفس لم يغفر له وقد عبدنا وقتلنا فكيف نسلم وقيل نزلت في وحشي قاتل حمزة لما أراد أن يسلم وخاف أن لا تقبل توبته فلما نزلت الآية أسلم فقيل لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) هذه له خاصة أم للمسلمين عامة فقال بل للمسلمين عامة وقيل نزلت في أناس أصابوا ذنوبًا عظامًا في الجاهلية فلما جاء الإسلام أشفقوا لا يقبل الله توبتهم وقيل نزلت في عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد ونفر من المسلمين أسلموا ثم فتنوا فافتتنوا وكان المسلمون يقولون فيهم لا يقبل الله منهم توبتهم فنزلت هذه الآيات فكتبها عمر وبعث بها إليهم فأسلموا وهاجروا واعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فنزول هذه الآيات في هذه الوقائع لا يمنع من عمومها

المسألة الرابعة قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم فِى عِبَادِى بفتح الياء والباقون وعاصم في بعض الروايات بغير فتح وكلهم يقفون عليه بإثبات الياء لأنها ثابتة في المصحف إلا في بعض رواية أبي بكر عن عاصم أنه يقف بغير ياء وقرأ أبو عمرو والكسائي تقنطوا بكسر النون والباقون بفتحها وهما لغتان قال صاحب ( الكشاف ) وفي قراءة ابن عباس وابن مسعود يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا لِمَن يَشَاء

ثم قال تعالى ) وأنيبوا إلى ربكم قال صاحب ( الكشاف ) أي وتوبوا إليه وأسلموا له أي وأخصلوا له العمل وإنما ذكر الإنابة على أثر المغفرة لئلا يطمع طامع في حصولها بغير توبة وللدلالة على أنها شرط فيها لازم لا تحصل بدونه وأقول هذا الكلام ضعيف جدًا لأن عندنا التوبة عن المعاصي واجبة فلم يلزم من ورود الأمر بها طعن في الوعد بالمغفرة فإن قالوا لو كان الوعد بالمغفرة حاصلًا قطعًا لما احتيج إلى التوبة لأن التوبة إنما تراد لإسقاط العقاب فإذا سقط العقاب بعفو الله عنه فلا حاجة إلى التوبة فنقول هذا ضعيف لأن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت