فهرس الكتاب

الصفحة 5212 من 6606

فيها الأمر والنهي واستحقوا بها الثواب والعقاب ولو كانت أفعالهم خلقًا لله تعالى ما جاز ذلك فيه كما لا يجوز مثله في ألوانهم وصورهم وقال أبو مسلم الخلق هو التقدير لا الإيجاد فإذا أخبر الله عن عباده أنهم يفعلون الفعل الفلاني فقد قدر ذلك الفعل فيصح أن يقال إنه تعالى خلقه وإن لم يكن موجدًا له

واعلم أن الجواب عن هذه الوجوه قد ذكرناه بالاستقصاء في سورة الأنعام فمن أراد الوقوف عليه فليطالع هذا الموضوع من هذا الكتاب والله أعلم

أما قوله تعالى وَهُوَ عَلَى كُلّ شَى ْء وَكِيلٌ فالمعنى أن الأشياء كلها موكولة إليه فهو القائم بحفظها وتدبيرها من غير منازع ولا مشارك وهذا أيضًا يدل على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى لأن فعل العبد لو وقع بتخليق العبد لكان ذلك الفعل غير موكول إلى الله تعالى وكيلًا عليه وذلك ينافي عموم الآية

ثم قال تعالى لَّهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ والمعنى أنه سبحانه مالك أمرها وحافظها وهو من باب الكناية لأن حالفظ الخزائن ومدبر أمرها هو الذي بيده مقاليدها ومنه قولهم فلان ألقيت مقاليد الملك إليه وهي المفاتيح قال صاحب ( الكشاف ) ولا واحد لها من لفظها وقيل مقليد ومقاليد وقيل مقلاد ومقاليد مثل مفتاح ومفاتيح وقيل إقليد وأقاليد قال صاحب ( الكشاف ) والكلمة أصلها فارسية إلا أن القوم لما عربوها صارت عربية

واعلم أن الكلام في تفسير قوله لَّهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ قريب من الكلام في قوله تعالى وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ ( الأنعام 59 ) وقد سبق الاستقصاء هناك قيل سأل عثمان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عن تفسير قوله لَّهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ فقال ( يا عثمان ما سألني عنها أحد قبلك تفسيرها لا إله إلا الله والله أكبر سبحان الله وبحمده أستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله هو الأول والآخر والظاهر والباطن بيده الخير يحيي ويميت هو على كل شيء قدير ) هكذا نقله صاحب ( الكشاف )

ثم قال تعالى وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِئَايَاتِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ وفيه مسألتان

المسألة الأولى صريح الآية يقتضي أنه لا خاسر إلا كافر وهذا يدل على أن كل من لم يكن كافرًا فإنه لا بد وأن يحصل له حظ من رحمة الله

المسألة الثانية أورد صاحب ( الكشاف ) سؤالًا وهو أنه بم اتصل قوله وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وأجاب عنه بأنه اتصل بقوله تعالى وَيُنَجّى اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ ( الزمر 61 ) أي ينجي الله المتقين بمفازتهم وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِئَايَاتِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ واعترض ما بينهما أنه خالق للأشياء كلها وأن له مقاليد السموات والأرض وأقول هذا عندي ضعيف من وجهين الأول أن وقوع الفاصل الكبير بين المعطوف والمعطوف عليه بعيد الثاني أن قوله وَيُنَجّى اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ جملة فعلية وقوله وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِئَايَاتِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ جملة إسمية وعطف الجملة الإسمية على الجملة الفعلية لا يجوز بل الأقرب عندي أن يقال إنه لما وصف الله تعالى نفسه بالصفات الإلهية والجلالية وهو كونه خالقًا للأشياء كلها وكونه مالكًا لمقاليد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت