واعلم أنه تعالى لما بين عظمته من الوجه الذي تقدم قال سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ يعني أن هذا القادر القاهر العظيم الذي حارت العقول والألباب في وصف عظمته تنزّه وتقدس عن أن تجعل الأصنام شركاء له في المعبودية فإن قيل السؤال على هذا الكلام من وجوه الأول أن العرش أعظم من السموات السبع والأرضين السبع ثم إنه قال في صفة العرش وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَة ٌ ( الحاقة 17 ) وإذا وصف الملائكة بكونهم حاملين العرش العظيم فكيف يجوز تقدير عظمة الله بكونه حاملًا للسموات والأرض
السؤال الثاني أن قوله وَالاْرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَة ِ وَالسَّمَاواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ شرح حالة لا تحصل إلا في يوم القيامة والقوم ما شاهدوا ذلك فإن كان هذا الخطاب مع المصدقين للأنبياء فهم يكونون معترفين بأنه لا يجوز القول بجعل الأصنام شركاء الله تعالى فلا فائدة في إيراد هذه الحجة عليهم وإن كان هذا الخطاب مع المكذبين بالنبوّة وهم ينكرون قوله وَالاْرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَة ِ فكيف يمكن الاستدلال به على إبطال القول بالشرك
السؤال الثالث حاصل القول في القبضة واليمين هو القدرة الكاملة الوافية بحفظ هذه الأجسام العظيمة وكما أن حفظها وإمساكها يوم القيامة ليس إلا بقدرة الله فكذلك الآن فما الفائدة في تخصيص هذه الأحوال بيوم القيامة
الجواب عن الأول أن مراتب التعظيم كثيرة فأولها تقرير عظمة الله بكونه قادرًا على حفظ هذه الأجسام العظيمة ثم بعد تقرير عظمته بكونه قادرًا على إمساك أولئك الملائكة الذين يحملون العرش
الجواب عن الثاني أن المقصود أن الحق سبحانه هو المتولي لإبقاء السموات والأرضين على وجوه العمارة في هذا الوقت وهو المتولي بتخريبها وإفنائها في يوم القيامة فذلك يدل على حصول قدرة تامة على الإيجاد والإعدام وتنبيه أيضًا على كونه غنيًا على الإصلاق فإنه يدل على أنه إذا حاول تخريب الأرض فكأنه يقبض قبضة صغيرة ويريد إفناءها وذلك يدل على كمال الاستغناء
الجواب عن الثالث أنه إنما خصص تلك بيوم القيامة ليدل على أنه كما ظهر كمال قدرته في الإيجاد عند عمارة الدنيا فكذلك ظهر كمال قدرته عند خراب الدنيا والله أعلم
واعمل أنه تعالى لما قدر كمال عظمته بما سبق ذكره أردفه بذكر طريقة أخرى تدل أيضًا على كمال قدرته وعظمته وذلك شرح مقدمات يوم القيامة لأن نفخ الصور يكون قبل ذلك اليوم فقال وَنُفِخَ فِى الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى السَّمَاوَاتِ وَمَن فِى الاْرْضِ إِلاَّ مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ واختلفوا في الصعقة منهم من قال إنها غير الموت بدليل قوله تعالى في موسى عليه السلام وَخَرَّ موسَى صَعِقًا ( الأعراف 143 ) مع أنه لم يمت فهذا هو النفخ الذي يورث الفزع الشديد وعلى هذا التقدير فالمراد من نفخ الصعقة ومن نفخ الفزع واحد وهو المذكور في سورة