فهرس الكتاب

الصفحة 5223 من 6606

قضائه بيننا بالحق وههنا دقيقة أعلى مما سبق وهي أنه سبحانه لما قضى بينهم بالحق فهم ما حمدوه لأجل ذلك القضاء بل حمدوه بصفته الواجبة وهي كونه ربًا للعالمين فإن من حمد المنعم لأجل أن إنعامه وصل إليه فهو في الحقيقة ما حمد المنعم وإنما حمد الإنعام وأما من حمد المنعم لا لأنه وصل إليه النعمة فههنا قد وصل إلى لجة بحر التوحيد هذا إذا قلنا إن قوله وَتَرَى الْمَلَائِكَة َ حَافّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ شرح أحوال الملائكة في الثواب أما إذا قلنا إنه من بقية شرح ثواب المؤمنين فتقريره أن يقال إن المتقين لما قالوا الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الاْرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّة ِ حَيْثُ نَشَاء فقد ظهر منهم أنهم في الجنة اشتغلوا بحمد الله وبذكره بالمدح والثناء فبيّن تعالى أنه كما أن حرفة المتقين في الجنة الاشتغال بهذا التحميد والتمجيد فكذلك حرفة الملائكة الذين هم حافون حول العرش الاشتغال بالتحميد والتسبيح ثم إن جوانب العرش ملاصقة لجوانب الجنة وحينئذ يظهر منه أن المؤمنين المتقين وأن الملائكة المقربين يصيرون متوافقين على الاستغراق في تحميد الله وتسبيحه فكان ذلك سببًا لمزيد التذاذهم بذلك التسبيح والتحميد

ثم قال وَقُضِى َ بَيْنَهُمْ بِالْحَقّ أي بين البشر ثم قال وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ والمعنى أنهم يقدمون التسبيح والمراد منه تنزيه الله عن كل ما لا يليق بالإلهية

وأما قوله تعالى وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ فالمراد وصفه بصفات الإلهية فالتسبيح عبارة عن الاعتراف بتنزيهه عن كل ما لا يليق به وهو صفات الجلال وقوله وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ عبارة عن الإقرار بكونه موصوفًا بصفات الإلهية وهي صفات الإكرام ومجموعهما هو المذكور في قوله تَبَارَكَ اسْمُ رَبّكَ ذِى الْجَلَالِ وَالإكْرَامِ ( الرحمن 78 ) وهو الذي كانت الملائكة يذكرونه قبل خلق العالم وهو قولهم وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ ( البقرة 30 ) وفي قوله وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ دقيقة أخرى وهي أنه لم يبين أن ذلك القائل من هو والمقصود من هذا الإبهام التنبيه على أن خاتمة كلام العقلاء في الثناء على حضرة الجلال والكبرياء ليس إلا أن يقولوا الْحَمْدُ للَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ وتأكد هذا بقوله تعالى في صفة أهل الجنة دَعْواهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ ( يونس 10 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت