فهرس الكتاب

الصفحة 5243 من 6606

المراد أن هذا النداء يذكر بعد فناء البشر إلا أنه حضر هناك ملائكة يسمعون ذلك النداء وأقول أيضًا على هذا القول لا يبعد أن يكون السائل والمجيب هو الله تعالى ولا يبعد أيضًا أن يكون السائل جمعًا من الملائكة والمجيب جمعًا آخرين الكل ممكن وليس على التعيين دليل فإن قيل وما الفائدة في تخصيص هذا اليوم بهذا النداء

فنقول الناس كانوا مغرورين في الدنيا بالأسباب الظاهرة وكان الشيخ الإمام الوالد عمر رضي الله عنه يقول لولا الأسباب لما ارتاب مرتاب وفي يوم القيامة زالت الأسباب وانعزلت الأرباب ولم يبق ألبتة غير حكم مسبب الأسباب فلهذا اختص النداء بيوم القيامة واعلم أنه وإن كان ظاهر اللفظ يدل على اختصاص ذلك النداء بذلك اليوم إلا أن قوله للَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ يفيد أن هذا النداء حاصل من جهة المعنى أبدًا وذلك لأن قولنا الله اسم لواجب الوجود لذاته وواجب الوجود لذاته واحد وكل ما سواه ممكن لذاته والممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته ومعنى الإيجاد هو ترجيح جانب الوجود على جانب العدم وذلك الترجيح هو قهر للجانب المرجوح فثبت أن الإله القهار واحد أبدًا ونداء لمن الملك اليوم إنما ظهر من كونه واحدًا قهارًا فإذا كان كونه قهارًا باقيًا من الأزل إلى الأبد لا جرم كان نداء لّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ باقيًا في جانب المعنى من الأزل إلى الأبد

الصفة الخامسة من صفات ذلك اليوم قوله الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ

واعلم أنه سبحانه لما شرح صفات القهر في ذلك اليوم أردفه ببيان صفات العدل والفضل في ذلك اليوم فقال الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وفيه مسألتان

المسألة الأولى هذا الكلام اشتمل على أمور ثلاثة أولها إثبات الكسب للإنسان والثاني أن كسبه يوجب الجزاء والثالث أن ذلك الجزاء إنما يستوفى في ذلك اليوم فهذه الكلمة على اختصارها مشتملة على هذه الأصول الثلاثة في هذا الكتاب وهي أصول عظيمة الموقع في الدين وقد سبق تقرير هذه الأصول مرارًا ولا بأس بذكر بعض النكت في تقرير هذه الأصول أما الأول فهو إثبات الكسب للإنسان وهو عبارة عن كون أعضائه سليمة صالحة للفعل والترك فما دام يبقى على هذا الاستواء امتنع صدور الفعل والترك عنه فإذا انضاف إليه الداعي إلى الفعل أو الداعي إلى الترك وجب صدور ذكل الفعل أو الترك عنه وأما الثاني وهو بيان ترتب الجزاء عليه فاعلم أن الأفعال على قسمين منها ما يكون الداعي إليه طلب الخيرات الجسمانية الحاصلة في عالم الدنيا ومنها ما يكون الداعي إليه طلب الخيرات الروحانية التي لا يظهر كمالها إلا في عالم الآخرة وقد ثبت بالتجربة أن كثرة الأفعال سبب لحصول الملكات الراسخة فمن غلب عليه القسم الأول استحكمت رحمته رغبته في الدنيا وفي الجسمانيات فعند الموت يحصل الفراق بينه وبين مطلوبه على أعظم الوجوه ويعظم عليه البلاء ومن غلب عليه القسم الثاني فعند الموت يفارق المبغوض ويتصل بالمحبوب فتعظم الآلاء والنعماء فهذا هو معنى الكسب ومعنى كون ذلك الكسب موجبًا للجزاء فظهر بهذا أن كمال الجزاء لا يحصل إلا في يوم القيامة فهذا قانون كلي عقلي والشريعة الحقة أتت بما يقوي هذا القانون الكلي في تفاصيل الأعمال والأقوال والله أعلم

المسألة الثانية هذه الآية أصل عظيم في أصول الفقه وذلك لأنا نقول لو كان شيء من أنواع الضرر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت