فهرس الكتاب

الصفحة 5259 من 6606

بطريق الحس ممتنعًا ونظيره قوله تعالى فَانٍ الْمُرْسَلِينَ وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِن اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِى َ نَفَقًا فِى ( الأنعام 35 ) وليس المراد منه أن محمدًا ( صلى الله عليه وسلم ) طلب نفقًا في الأرض أو وضع سلمًا إلى السماء بل المعنى أنه لما عرف أن هذا المعنى ممتنع فقد عرف أنه لا سبيبل لك إلى تحصيل ذلك المقصود فكذا ههنا غرض فرعون من قوله فَرْعَوْنُ ياهَامَانُ ابْنِ لِى صَرْحًا يعني أن الاطلاع على إله موسى لما كان لا سبيل إليه إلا بهذا الطريق وكان هذا الطريق ممتنعًا فحينئذٍ يظهر منه أنه لا سبيل إلى معرفة الإله الذي يثبته موسى فنقول هذا ما حصلته في هذا الباب

واعلم أن هذه الشبهة فاسدة لأن طرق العلم ثلاثة الحس والخبر والنظر ولا يلزم من انتفاء طريق واحد وهو الحس انتفاء المطلوب وذلك لأن موسى عليه السلام كان قد بيّن لفرعون أن الطريق في معرفة الله تعالى إنما هو الحجة والدليل كما قال رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءابَائِكُمُ الاْوَّلِينَ رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ( الشعراء 26 28 ) إلا أن فرعون لخبثه ومكره تغافل عن ذلك الدليل وألقى إلى الجهال أنه لما كان لا طريق إلا الإحساس بهذا الإله وجب نفيه فهذا ما عندي في هذا الباب وبالله التوفيق والعصمة

المسألة الثالثة ذهب قوم إلى أنه تعالى خلق جواهر الأفلاك وحركاتها بحيث تكون هي الأسباب لحدوث الحوادث في هذا العالم الأسفل واحتجوا بقوله تعالى لَّعَلّى أَبْلُغُ الاْسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ ومعلوم أنها ليست أسبابًا إلا لحوادث هذا العالم قالوا ويؤكد هذا بقوله تعالى في سورة ص فَلْيَرْتَقُواْ فِى الاْسْبَابُ ( ص 10 ) أما المفسرون فقد ذكروا في تفسير قوله تعالى لَّعَلّى أَبْلُغُ الاْسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ أن المراد بأسباب السموات طرقها وأبوابها وما يؤدي إليها وكل ما أداك إلى شيء فهو سبب كالرشاد ونحوه

المسألة الرابعة قالت اليهود أطبق الباحثون عن تواريخ بني إسرائيل وفرعون أن هامان ما كان موجودًا ألبتة في زمان موسى وفرعون وإنما جاء بعدهما بزمان مديد ودهر داهر فالقول بأن هامان كان موجودًا في زمان فرعون خطأ في التاريخ وليس لقائل أن يقول إن وجود شخص يسمى بهامان بعد زمان فرعون لا يمنع من وجود شخص آخر يسمى بهذا الإسم في زمانه قالوا لأن هذا الشخص المسمى بهامان الذي كان موجودًا في زمان فرعون ما كان شخصًا خسيسًا في حضرة فرعون بل كان كالوزير له ومثل هذا الشخص لا يكون مجهول الوصف والحلية فلو كان موجودًا لعرف حاله وحيث أطبق الباحثون عن أحوال فرعون وموسى أن الشخص المسمى بهامان ما كان موجودًا في زمان فرعون وإنما جاء بعده بأدوار علم أن غلط وقع في التواريخ قالوا ونظير هذا أنا نعرف في دين الإسلام أن أبا حنيفة إنما جاء بعد محمد ( صلى الله عليه وسلم ) فلو أن قائلًا أدعى أن أبا حنيفة كان موجودًا في زمان محمد عليه السلام وزعم أنه شخص آخر سوى الأول وهو يسمى بأبي حنيفة فإن أصحاب التواريخ يقطعون بخطئه فكذا ههنا والجواب أن تواريخ موسى وفرعون قد طال العهد بها واضطربت الأحوال والأدوار فلم يبق على كلام أهل التواريخ اعتماد في هذا الباب فكان الأخذ بقول الله تعالى أولى بخلاف حال رسولنا مع أبي حنيفة فإن هذه التواريخ قريبة غير مضطربة بل هي مضبوطة فظهر الفرق بين البابين فهذا جملة ما يتعلق بالمباحث المعنوية في هذه الآية وبقي ما يتعلق بالمباحث اللفظية

قيل الصرح البناء الظاهر لا يخفى على الناظر وإن بعد اشتقوه من صرح الشيء إذ ظهر و أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ طرقها فإن قيل ما فائدة هذا التكرير لو قيل لعلي أبلغ الأسباب السموات كان

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت